السبت , 24 أغسطس 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / المواطن، المواطنة، الوطن…هل نحن مواطنون؟

المواطن، المواطنة، الوطن…هل نحن مواطنون؟

لا يختلف عاقلان في تلك الوشائج التي تربط هذا بذاك و لا يحتاج الأمر كثير بحث لفهم العلاقة القائمة بين الوطن كفضاء جغرافي يعبق بكل ما تنطق به الهوية و بين المواطنة كمبحث فلسفي يؤسس لعلاقة تفاعل بين البشر و الأرض.
مواطن، هي صفة يطلقها القانون على كل من تحتضنه هذه الربوع و بمجرد الولادة، مع لحظات معانقتك الأولى لهذا الفضاء تصبح مواطنا يدون إسمه في السجلات و تنال ما يناله غيرك من حقوق و يتعين عليك ما يطالب به غيرك من واجبات.
لا علم بلا ملاحظة، و تصبح الملاحظة أمرا بديهيا إذا كانت الضاهرة مكشوفة تراها كل عين، التونسي لا يشعر بالإنتماء إلى هذه الأرض، يولد المواطن حاملا إرثا لم يعد يفي بشروط المواطنة، إرث يدعمه تعليم أظهر عجزا واضحا في زراعة القيم و تعزيز الشعور بالإنتماء.
إننا لا نجد تفسيرا لما يقترفه المواطن في حق وطنه إلا غياب الوطنية و قيمها، من الطفل الذي يلقي بالأوساخ في قارعة الطريق إلى المراهق الذي يعتدي على الملك العمومي وصولا إلى الشاب الذي يعزف عن الإنتخاب مرورا بمشاهد تعكس شعورا خفيا يقود كل هؤلاء “هذا الوطن ليس لي … لست جزءا منه … أنا بالكاد أسير بين حدوده”.
يزداد الأمر سوءا عندما تغلق أبواب الشغل في وجه هؤلاء فينصرفون إلى مسكنات تحولهم إلى وجوه حاقدة و آلات تدمير تستغل كل فراغ أمني لتخرج كل الطاقة السلبية التي إكتسبتها من منوال تنمية أعرج و سياسة بشرية و إجتماعية لا تبني الإنسان بقدر ما تبني مطبات في طريقه فالأمر موكول برمته إلى ذاك النور الذي من المفترض أن يظهر في آخر النفق و لكنه _للأسف_ خافت يكاد ينطفئ، إلى ذلك الأمل الذي يحرك العزائم و لكنه ما فتئ يفتر، إلى الروح التي تحرك السواكن و تدفع بالبشر نحو مشروع وطني و التي يبدو أن هناك من أزهقها.
إنها التربية يا سادة، إنها العائلة التي صارت في شغل عن تربية النشء على حب هذا الوطن، إنها المدرسة التي تحولت سجنا لا يعرف فيها الطفل من وطنه إلا علما و نشيدا لا يلامس قلبه و لا يحرك سواكنه، إنها دور الشباب و الثقافة التي لا تستهوي كل هؤلاء بعد أن فقدت ذاك الألق الذي يأسر و ذاك السحر الذي يجتذب الشباب، إنها منظومة كاملة سببت شرخا عميقا في طرح الهوية بماهي إعتزاز بإرث تليد و ٱنتماء إلى وطن هو كل ما نملك.
أول لبنات الإصلاح و أقوم السبل إليه هي التربية، و عليه تعين على كل مشروع إصلاحي أن يبدأ من هناك، من غرس الوطنية في قلوب هؤلاء لكي لا يضيع منا الوقت في التباكي على أرض يبيعها أبناؤها، لكي لا نتحسر إن إكتشفنا فساد مسؤول أو خراب مؤسسة على يد أبنائها.
أعيدوا لهم أرضهم قصيدا يحفظونه و فضاءا يسمح بالحلم ، شغلا لكل طالب و رزقا لكل فقير و حضنا يجمعنا … أعيدوا لهم وطنهم و أول الخطوات إصلاح الفعل التربوي و تركيز مدارس تبني العقول و الضمائر.

محمد علي الشامخي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *