الأحد , 9 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / المغول على الأبواب

المغول على الأبواب

“سيدي … جنود المغول على الأبواب نحن محاصرون بالكامل … ماذا ترى؟”
أشاح الخليفة بوجهه عن الجندي و فهم هذا الأخير أن الخليفة لا يرى شيئا فذهب في حال سبيله و قد أيقن أن الأحداث القادمة ستغير ملامح المدينة و ربما غيرت خارطة المنطقة بأسرها … بغداد لن تحتضن أدباء الأرض من جديد و لن تقام في ساحاتها الأعياد و لن يخرج أهلها من هذه الكارثة سالمين … كنت أقلب صفحات تاريخ الطبري و كأنني أبحث عن طريقة لتغيير التاريخ و وددت أن أمحو هذه الفترة و لكن التاريخ سجل كل شيء … تهاوى عرش العباسيين و بنهايته بدأت مرحلة جديدة بحكام جدد … لم يكن التتار يحملون مشروعا عدا قومية عدائية دفعت بهم لقطع مسافات طويلة داخل القارة الآسيوية هادمين كل حضارة تعترضهم و لذلك إنتهى دورهم التاريخي بمجرد إنتكاسهم ضد مماليك مصر بقيادة “قطز” و كذلك هي الأمم لا تبقى إلا إذا حملت مشروعا متكاملا تلتف حوله كل فواعل المجتمع و يدعمه الساسة.
لم يكن السقوط المدوي للدولة العباسية مفاجئا فالدولة التي أخفت الأسوار عوراتها فضحتها المراجع . كتب إبن كثير يصف بعض حكام ما قبل السقوط بالضعف و الإهمال و بتكديس الثروات حتى صاروا مثالا يضرب في آستغلال الرعية و يروى أن الخليفة لما وقع بين يدي هولاكو ملك المغول ذاق ذلا كبيرا و حاول أن يفتدي نفسه بأكوام من الذهب و الفضة و المجوهرات كان قد خبأها في أحواض أسفل قصره فتفاجأ هولاكو لعظمة هذه الثروة و قال للخليفة الأسير متهكما “كان في إمكانك دعم أساسات دولتك بهذا المال الذي كنت تخزنه و تحرم رعيتك منه على علمك بأن الذهب لا يؤكل” و أمعن في تقزيمه بتعريضه للجوع في زنزانته فلما آذاه الجوع قدموا له طبقا ملئ بالجواهر و اللآلئ …
أعدم الخليفة و آستبيحت مكتبة بغداد … كانت تحتوي من نفائس الكتب ما لا يحصى و لا يعوضه مال … كانت مكتبة عامرة بمؤلفات الإغريق و برحيق الفكر العربي على آمتداد قرون … إمتلأ دجلة كتبا و آتخذ التتار من المعاجم و المؤلفات القيمة جسورا عبروا عليها في مشهد سريالي صادم و في لحظة تاريخية شبيهة بالغزو الهمجي الهتلري للجيران إبان الحرب العالمية الثانية.
و قبل طي هذه الصفحة من تاريخ مظلم توجب علينا النظر في الأسباب و الإعتبار من النهايات فكيف تحولت قوة ضاربة في حجم دولة بني العباس إلى ماض أليم مثل بداية النكسة العربية و فاتحة النوائب على هذه الأمة؟
تبدأ الحكاية بسقوط الدولة الأموية و التي آستوفت شروط السقوط فلهو السلاطين و تغلغل الفاسدين في أجهزة الدولة و آنشغال الحاشية بجمع المال و تضليل رأس السلطة يشفع ذلك بحالة عدم الرضا التي إجتاحت فئات كثيرة من الشعب و التي كانت نتاجا للقهر و الظلم و تفشي أشكال العصبية و الطبقية و لم يفهم الملوك من كليلة و دمنة إلا القليل و لم يكن القليل كافيا يوم إمتحان التاريخ… يصعد العباسيون إلى الحكم فتمر الدولة إلى مرحلة جديدة تتراكم فيها الإنجازات و تتحرك عجلة الإقتصاد بفضل التعامل الحكيم مع الموارد … يقر كل مهتم بالتاريخ لهذه الدولة بالفضل في النقلة الحضارية و الفكرية فهذا العصر هو العصر الذهبي بإمتياز … تحركت عجلة الترجمة و النسخ بشكل جنوني و تراكمت الكتب في كل مجال و تنافس الأدباء و العلماء فوجدوا القصور مفتوحة تحتوي غزير علمهم و وجدوا آذانا صاغية فكان المجد …
نحن بصدد الحديث عن دولة عاش على أرضها الشاسعة مئات العلماء …إبن سينا و البيروني … إبن الهيثم و الرازي … الخوارزمي و جابر بن حيان … إنه عصر المتنبي و عبد الحميد الكاتب … إنه زمن التوحيدي و الجاحظ … كل هذا الزخم المعرفي لم يشفع لتلك الدولة و لم يمنع زوالها لأن مؤسسة الخلافة إمتلأت شقوقا و صارت المكائد و الدسائس خبزا يوميا و أعدم كل معارض و أخمدت السيوف أصوات الحق فصار الباطل منهجا و سكن في أوصال الدولة الفاسدون و تمزق جسد الوطن الكبير قطعا نال منها الضعف و صارت الهزيمة قريبة … و تعطل الإصلاح و كيف يكون الإصلاح و المستعصم بالله محاط بوزراء من طينة إبن العلقمي الذي يتهمه المؤرخون بإغراء هولاكو على غزو بغداد.
في المشهد الأخير و في تشابه مثير للشفقة مع ما نراه اليوم من تكالب على السلطة و تنافس على المراكز و إهمال للمواطن سقطت بغداد عاصمة الخلافة بين براثن المغول فأعملوا في أهلها السيف حتى كادوا يبيدونهم و عادوا إلى أرض جنكيزخان محملين بثروات كان الشعب أولى بها منهم … اليوم لا مغول على الحدود فهم بيننا … يسيرون معنا في الشوارع و يأكلون من رغيفنا و يقودون سفينة الوطن إلى الهاوية و الناس نيام.
في حضرة التاريخ تتشابه الأسماء و الأفعال و تتكرر الأشياء بشكل عجيب …
لهم إبن العلقمي و بيننا أحفاده … سوس ينخر جسد الوطن
أولئك عاشوا عصر المغول
أما نحن … ففي عصر الغول …
محمد علي الشامخي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *