الخميس , 18 أكتوبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / المشاركة السياسية المؤثرة.. قضية اتفاقية كوتيزال مثالا

المشاركة السياسية المؤثرة.. قضية اتفاقية كوتيزال مثالا

يعد ما أظهرته الثورة التونسية من اهتمام متزايد بالحكم الديمقراطي بداية مهمة في طريق المشاركة السياسية، و المساهمة في ادارة الشأن العام وفي ذلك يتجسد أرقى تعبير عن المواطنة التي ترسخ الشعور بالانتماء لدى الأفراد. حيث تلعب المشاركة السياسية الفعالة دورا مهما في اشاعة الحكم الرشيد الذي يؤدي بدوره الى التنمية المستدامة، خصوصا اذا ما تعلق الأمر بإدارة الثروات الوطنية و استغلالها على نحو يعكس حسن التصرف فيها و استثمارها بما يخدم مصلحة الشعب و الوطن.
وهنا يجرنا الحديث الى مفهوم “المساءلة المجتمعية” كإحدى أهم أدوات أي مشاركة فاعلة مؤثرة في التوجهات السياسية و الاقتصادية العامة للدولة وجعلها أكثر اتصالا باحتياجات المواطنين، حيث يقع اخضاع صناع القرار و المسؤولين الى المساءلة عن سلوكياتهم وتصرفاتهم سيما المتعلقة بإدارة الموارد العامة للمجموعة الوطنية.هذا المفهوم أصبح اليوم محل اهتمام مختلف مكونات المجتمع المدني و ضمن اولويات نشاطهم لما يكتسبه من أهمية في ارساء أسس الديمقراطية في المجتمعات خصوصا تلك التي تمر بمرحلة تحول و تونس نموذج.
في تونس ما بعد الثورة أثار موضوع استغلال الملح جدلا واسعا في ظل الغموض و التعتيم الذي يكتنف ملف الثروات الوطنية وكيفية استغلالها. مع تواصل صمت الدولة المريب وغياب الارادة لدى الحكومات المتعاقبة في حسم الموضوع، وتنوير الرأي العام بالحقيقة، تعالت الأصوات المطالبة بإلغاء عقد استغلال الملح مع كوتيزال الذي يندرج ضمن اتفاقية مبرمة بين حكومة الباي و ادارة الشركة الفرنسة منذ سنة 1949. هذه الاتفاقية المجحفة اكتسب الحديث عنها حيوية متزايدة على الصعيد الاعلامي، و حام حولها جدل واسع تحت قبة البرلمان بين الطرف الحكومي ونواب المعارضة لما تضمنته من بنود تكتسي صبغة استعمارية فهي أقرب الى “عقد استعمار” كما وصفتها النائبة عن حزب التيار الديمقراطي سامية عبو منه الى اتفاقية كان من المفترض أن تراعي مصلحة صاحب الثروة (الدولة التونسية) وتجلب عائدات هائلة من العملة الصعبة من شأنها أن تخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها البلد. إلا أن غياب مفهوم “المساءلة المجتمعية” الذي ذكرناه آنفا لعقود من الاستغلال في ظل الأنظمة الاستبدادية المنغلقة (ما قبل الثورة) التي تستفرد بالحكم و تحتكر الممارسة السياسية ولا تؤمن بالتشاركية، كل ذلك حال دون استثمار هذه الاتفاقية على أحسن وجه، هذا من جانب ومن جانب آخر فان استمرار العمل لسنوات بعد الثورة بهذه الاتفاقية باخلالاتها الخطيرة التي تمس بالسيادة الوطنية يعتبر وصمة عار على جبين كل الحكومات التي تداولت على السلطة طيلة هذه الفترة.
رغم تجاوزات الشركة الأجنبية المنتصبة على أرض الوطن التي تعدت الجانب الاقتصادي لتشمل أيضا الجانب البيئي إلا أن الأداء الحكومي في تعامله مع كهكذا مسائل تمس بالسيادة الوطنية لم يرتقي الى المستوى المطلوب من المسؤولية يلبي انتظارات الرأي العام و يحفظ المصالح العليا للبلد. مما استوجب ممارسة الضغط من طرف المجتمع المدني بمختلف مكوناته و في مقدمتهم الأحزاب المعارضة وهنا ننوه بالدور الريادي المؤثر لحزب التيار الديمقراطي في مجرى هذه القضية ما دفع بالطرف الحكومي الى التراجع عن التمديد في الاتفاقية خلال جلسة عامة بالبرلمان في 21 ماي 2018.
ملف اتفاقية كوتيزال كان مثالا حيا تتجسد من خلاله أهمية المشاركة السياسية الفاعلة عبر أهم أدواتها (المساءلة المجتمعية) كمعيار من معايير الحكم الرشيد و الشفافية في بلورة السياسات و التوجهات العامة للدولة، وصياغتها على نحو يخدم الصالح العام وقطع الطريق على طاعون العصر ظاهرة الفساد.
بقلم أحمد طبابي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *