الإثنين , 22 يوليو 2019
الرئيسية / الأخبار الوطنية / المرأة الكادحة بين مطرقة الإستغلال الإقتصادي و سندان التهميش الإجتماعي

المرأة الكادحة بين مطرقة الإستغلال الإقتصادي و سندان التهميش الإجتماعي

تعيش المرأة الريفية اليوم في تونس وضعية كارثية في بلد تؤكد أغلب التقارير أن المرأة فيه تعامل أحسن معاملة ولها حقوقها كاملة حيث استفاق التونسيون اليوم على فاجعة حادث مروري أودى بحياة عدد من النساء العاملات في الفلاحة. عدد تشير المعطيات الأولية انه بلغ 15 شهيدة في سبيل لقمة العيش 15 شهيدة ذهبن ضحية رحلات الرعب اليومية التي يقوم بها سماسرة تشغيل العاملات في القطاع الفلاحي سماسرة لا يشغلهم ولا يحركهم الا جشعهم وحبهم للمادة. سيناريو يعيد نفسه فبين الفينة والأخرى ترد أخبار عن حوادث لشاحنات خفيفة تقل العاملات في القطاع الفلاحي وحسب إحصائيّات قدّمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ عدد ضحايا حوادث المرور التي تعرّضت إليها العاملات في قطاعي الصناعة والفلاحة بلغ سنة 2016، 112 ضحية (107 جرحى و5 وفيات) جدّت أغلبها في جهات الشمال الغربي والقيروان وأرياف الساحل وزغوان.

ان المعاناة والإهانة تبدأ قبل أن تطأ أرجل العاملات وسيلة النقل حيث يعمد السماسرة وأصحاب سيارات نقل العاملات في بعض الأحيان إلى سكب المياه أو فضلات الحيوانات في عربة الشاحنة لإجبار النساء على البقاء واقفات للتمكن من نقل أكبر عدد ممكن في رحلات نقل العاملات بين ضيعات نفس الولاية، أو بين الولايات المتجاورة، وقد تطول لمسافة تتجاوز 100 كيلومتر، خاصة خلال المواسم الفلاحية الكبرى على غرار جني الزيتون والبطاطا والطماطم وغيرها.

رحلات غير مريحة البتة وتعرض حياة العاملات في كل مرة للخطر، لا سيما وأن الضيعات الفلاحية تقع حتما خارج المناطق العمرانية حيث الطرق غير المعبدة والفرعية، بالاضافة إلى الحالة المهترئة لوسائل النقل التي توشك في كل مرة على الانقلاب خاصة بسبب قيادتها بسرعة كبيرة للقيام بأكثر عدد ممكن من السفرات اليومية.

تتعرض العاملات في المجال الفلاحي الى عدة مخاطر وكذلك الى عدة مشاكل صحية ناجمة عن عملهم حيث إلى جانب حوادث المرور التي تتعرض لها شاحنات نقل العاملات في القطاع الفلاحي والتي تتم في ظروف في مجملها غير انسانية ولا تحترم كرامتهم وانسانيتهم، حيث يتم نقلهن في الكثير من الأحيان واقفات وبشاحنات مكشوفة تجعلهن عرضة لحر الصيف وبرد الشتاء بأمطاره المتهاطلة مما قد يتسبب لهن في الاصابة بعدد من الأمراض على غرار التهاب المفاصل وأمراض العظام، تجد العاملات في القطاع الفلاحي أنفسهن عرضة للعديد من الأمراض على غرار الأمراض الجلدية وأمراض التنفس والصدرية بسبب تعرضهن أثناء الأعمال الفلاحية للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية المستعملة لمداواة الغراسات وكذلك أمراض تتعلق بالصحة الانجابية بسبب طول المدة التي تقضيها في العمل وهي في وضعية وقوف.

ان رحلات الرعب بالنسبة للعاملات في القطاع الفلاحي ليست الا حلقة في سلسلة من الإهانة والإستغلال والمعاناة تبدأ بطول ساعات العمل حيث تعمل قرابة نصف مليون امرأة في القطاع الفلاحي في تونس من بينهن أكثر من 450 ألف امرأة يعملن في المستغلات الفلاحية الصغرى، وفق احصائيات وزارة التكوين المهني والتشغيل. ساعات العمل في القطاع الفلاحي تمتد من الساعة الرابعة والنصف صباحا إلى حدود الخامسة مساء، وهي فترة تتجاوز مدة العمل المسموح بها في القانون الذي ينص على تسع ساعات يوميا كما جاء في مجلة الشغل التي تؤكد على أن عدد ساعات العمل بالمؤسسات الفلاحية محدد ب 2700 ساعة عمل في السنة باعتبار ثلاث مائة يوم عمل وتقر بحق العامل في راحة أسبوعية، وساعات إضافية.

ولكن في الواقع تشير المعطيات الى أن أغلب هذه النساء يعملن طوال أيام الأسبوع دون انقطاع، وعلى مدى أكثر من إحدى عشرة ساعة يوميا على اعتبار أن العمل الموسمي في الجني أو البذر أو غيره قد يتأثر بتوقف العمل، ولا يتقاضين مقابلا للساعات الاضافية.

وتؤكد الإحصائيات أن 99 بالمائة من نساء الأرياف يعملن في القطاع الفلاحي لأكثر من 9 ساعات، في جني الخضر الموسمية والزيتون والغلال بمقابل مادي لايتجاوز 11 دينارا في اليوم، بالإضافة إلى غياب التغطية الاجتماعية والتنقل في وسائل نقل مكتظة ومحفوفة بالمخاطر.

لا تتوقف معاناة العاملات هنا فالتمييز في الأجر يعتبر أيضا إحدى المشاكل التي يجب الوقوف عليها وتعتبر من النقاط السوداء في دولة تدعي حرصها على المساواة ففي الوقت الذي تحصل فيه هي على 11 دينارا، يتقاضى الرجل العامل أكثر من 15 دينار وأحيانا أخرى أكثر من عشرين دينارا على نفس العمل الذي تقوم به هي خاصة خلال موسم جني الزيتون ودون ان يتم احتساب ساعات العمل الاضافية.

وفي حين توكل للمرأة مهام الجني في 64.5 بالمائة من الحالات وبنسبة 78 بالمائة في مقاومة الأعشاب الضارة والبذر في الضيعات الخاصة، بحسب دراسة لجمعية النساء الديمقراطيات، إلا أن أجورهن لاتتجاوز في أحسن الحالات 11 دينارا نتيجة لعملية السمسرة التي يقوم بها أصحاب الشاحنات الذين يتعاقدون مع كبار الفلاحين على توفير يد عاملة نسائية بأجرة يومية بستة عشر دينارا عن الواحدة ليستقر باقي المبلغ في بطونهم.

على الرغم من أن الفصل عدد 94 من مجلة الشغل ينص على أن العاملين لوقت جزئي في القطاع الفلاحي يخضعون لنظام الضمان الاجتماعي ونظام جبر الأضرار الناجمة عن حوادث الشغل والأمراض المهنية وفقا للتشريع الجاري به العمل، غير أن اغلب العاملات لا يتمتعن بالتغطية الاجتماعية، وفي حالة تعرضهن إلى حادث فإن علاجهن يكون على حسابهن الشخصي.

ممارسات تتعارض ومقتضيات المواثيق الدولية الضامنة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومع ذلك ورغم الكم الهائل من المخاطر وضعف الأجر مقارنة بالاعمال المضنية وغياب الرعاية والإحاطة،

تقبل المرأة الريفية مجبرة بالعمل تحت إمرة السماسرة، ويقبل الفلاح العمل بواسطة الوسطاء، لا لشيء إلا لأنه يضمن للعاملة في الفلاحة استمرارية العمل في عدد من الضيعات ، ويؤمن للفلاح توفر اليد العاملة ويعفيه من عناء البحث عنها.

إن حماية المرأة من التهميش و التفقير و هشاشة التشغيل هي شعارات رنانة أنسنا لسماعها إضافة إلى حقها في العمل اللائق و المساواة و التغطية الإجتماعية إستنادا إلى حقوق الإنسان الكونية و مع هذا فقد مثلت الحادثة درسا في وجوب رفض الإستغلال و الإضطهاد و العبودية و التمسك بإستحقاق الحياة.

غسان المذيوب

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *