الثلاثاء , 20 أبريل 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / قراءات / المحكمة الدستورية: الفريضة الغائبة

المحكمة الدستورية: الفريضة الغائبة

مع كل صراع سياسي ومأزق دستوري يعود الحديث عن المحكمة الدستورية. وبمناسبة الخلاف الحاصل اليوم بين رأسي السلطة التنفيذية كثرت الآراء واختلفت عند فقهاء القانون الدستوري، بل من الآراء من كان شاذا ولا يجد سندا. وقد تفنن الخبراء في ايجاد حلول على المقاس لنيل الرضا والدعم من كتل برلمانية قد ترشحهم لعضوية المحكمة الدستورية رغم أن الحل سياسي لا قانوني، وهذا ما يقر به من لا مطامع لهم في منصب ممن حافظوا على حد أدنى من النزاهة والحيادية.

من المفترض أن تكون المحكمة الدستورية مكتملة التركيبة منذ أكتوبر 2015 أي بعد سنة من الانتخابات التشريعية في اكتوبر 2014،كما تم التنصيص عليه .إلا أن ذلك لم يحدث فربما كان للقوم حسابات أخرى غير حماية المسار الانتقالي والمحافظة على المناخ الديمقراطي الذي لا يكون إلا بضمان احترام الدستور  كنص أعلى  .

ما أعاد الحديث على أهمية المحكمة الدستورية كفريضة غائبة، هي مشاريع التنقيح التي حاولت بعض الكتل تقديمها ربما لإيجاد حل وللتسريع في تركيزها. وقد سبق لللترويكا الجديدة (النهضة،قلب تونس،ائتلاف الكرامة) رفض مبادرة الكتلة الديمقراطية لتنقيح الفصل العاشر من القانون عدد 50لسنة 2015المؤرخ في 2015/12/03 المتعلق بالمحكمة الدستورية . وهاهي نفس الترويكا اليوم تريد النزول بعدد الاصوات المطلوبة لنيل عضوية هاته المحكمة الى 109عوضا عن 145…وهذا ما يؤكد رغبة الائتلاف الحكومي في توفير أكبر فرصة للاتفاقات فيما بينهم وبصفة ادق حصر الترشيحات في ثلاثة اسماء تنتمي بالضرورة لأحد أضلع الترويكا الجديدة.

ازمة المشيشي وقيس سعيد ليست الأولى التي شهدتنا بلادنا فعند تعرض رئيس الجمهورية الأسبق الباجي قايد السبسي رحمه الله، لأزمة صحية حصل خلاف حول صلاحية إقرار الشغور الوقتي أو النهائي طالما ان هيئة مراقبة دستورية القوانين لا تتمتع بهذا الاختصاص الذي بقي حصريا للمحكمة الدستورية.

كذلك بعد سقوط حكومة الجملي  وتكليف قيس سعيد الفخفاخ بتكوين حكومة حصل جدال ونقاش قانوني حول ماذا لو لم تنل حكومته مصادقة البرلمان ؟ هل تستعيد النهضة كحزب اول في الانتخابات حق تكوين حكومة أم تعاد الانتخابات التشريعية بعد حل البرلمان ؟.

خلاف حسمه رئيس الجمهورية بتأويل النص الدستوري في اتجاه حل البرلمان واعادة الانتخابات نظرا لغياب محكمة دستورية تلكأت الاطراف السياسية في تكوينها.

عدم وصول الكتل البرلمانية إلى توافقات من شأنها التعجيل بانتخاب أربعة أعضاء حتى تفسح المجال لرئيس الجمهورية لاختيار اربع آخرين وكذلك للمجلس الأعلى للقضاء، هو الصراع الهووي الأيديولوجي الذي بقي مهيمنا على المشهد في الوقت الذي ظن البعض أننا قد تجاوزناه .

لب الخلاف هو الصراع بين كتلة النهضة، مدعومة من قلب تونس وائتلاف الكرامة من جهة، والرئيس من جهة أخرى. لذلك رفضت هذه الترويكا مقترح تعديل الفصل المذكور سابقا.

ينص الفصل العاشر من القانون عدد50«يتم تعيين أعضاء المحكمة الدستورية تباعا من طرف مجلس نواب الشعب والمجلس الاعلى للقضاء ورئيس الجمهورية».

أما مقترح التنقيح فمضمونه حذف عبارة «تباعا» من الفصل بما يصبح معه متاحا للمجلس الأعلى للقضاء ولرئيس الجمهورية تعيين كل منهما لأربعة أعضاء دون انتظار الأعضاء الذين سيعينهم البرلمان.

أين الاشكال في التنقيح حتى ترفضه الاطراف المذكورة؟ لعل التبرير الوحيد هو الخوف الذي يفسره مصطلح “غير مضمون”. فالترويكا الجديدة في خلاف مع قيس سعيد لذلك تريد تعطيل انشاء المحكمة الدستورية حتى يأتي رئيس على المقاس يختار أعضاء يرضى عنهم الشيخ وصحبه.

مقترح التنقيح المقدم من الكتلة الديمقراطية لم يسحب اختصاصا او سلطة من البرلمان بل غايته التسريع وربح الوقت وضمان تعيين ثمانية اعضاء ليصبح عدد الاعضاء تسعة (في ظل وجود عضو سبق له نيل الاصوات اللازمة في البرلمان) وتبقى مهمة البرلمان استكمال التركيبة. الهدف من التنقيح هو وضع البرلمان أمام مسؤولياته. فلماذا تصر النهضة وقلب تونس والائتلاف على المحافظة على عبارة «تباعا»، إن لم تكن الغاية المماطلة والتعطيل.

  الخوف والصراع الهووي الايديولوجي هما المسيطران على العقول. خوف من بعض مشاريع القوانين التي قد تكون في علاقة بالنمط المجتمعي وبالحقوق والحريات واختلاف المنطلقات والمرجعيات بشأنها (الغاء المنشور الذي كان يمنع زواج المسلمة من غير المسلم، منع النقاب في المؤسسات العمومية، الموقف من حكم الاعدام، المالية الاسلامية …. الخ. التي ستكون محور طعون امام المحكمة الدستورية لاحقا سواء من هذا الفريق أو ذاك. فتنة المحكمة الدستورية سببها هذا الصراع الهووي وزاد في تعميقها انعدام الثقة وتكتيكات وحسابات سياسية وصراعات صبيانية. ماسل سيف في البرلمان إلا حول كل ماله علاقة (بالهوية والنمط المجتمعي) خاصة وان المستثمرين في هذا كثر.

البعض لم يقف عند هذا فقط، بل يصر على أن الصراع أصبح طبقيا أو فئويا بين «بلدية » و« عربان »أو بين أهل «الحضر» و«البدو » وهو ما يزيد المشكلة  تعقيدا. فهناك من يرى ان المحكمة الدستورية من المفترض أن يدخلها “أبناء الذوات والبلدية” فقط، فهو فخر لا بد ألا ينازعهم فيه أحد.

 رغم هشاشة المنجز الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي ظلت الحكومات المتعاقبة تتباهى بالدستور كأهم منجز ودور التوافق في حماية المناخ الديمقراطي. إلا ان عجزهم  على تركيز أهم مؤسسة دستورية كشف زيف التوافق المغشوش سابقا وكذلك نياتهم « المڨعمزة » الآن .

يريدون محكمة دستورية تحت السيطرة وطوع بنانهم ولا يريدونها سلطة عليا فوق الجميع.

توفيق رمضان.

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *