السبت , 17 نوفمبر 2018
الرئيسية / الإقتصاد / العجز القياسي للميزان التجاري إلى أين ؟

العجز القياسي للميزان التجاري إلى أين ؟

أصدر المعهد الوطني للإحصاء يوم أمس نشرية المبادلات التجارية خلال التسعة أشهر الأولى لهاته السنة، و قد سجّل الميزان التجاري لشهر سبتمبر عجزًا ب2022,7 مليون دينار حيث بلغت قيمة الواردات 5145,6 مليون دينار و الصادرات 3122,9 مليون دينار.

1) عجز تجاري قياسي :

بلغ إجمالي الواردات منذ بداية السنة 43664,8 م.د و سجّل إجمالي الصادرات 29481,7 م.د، و بهذا يكون عجز الميزان التجاري المسجل على المستوى الجملي للمبادلات منذ بداية السنة بلغ مستوى قياسي غير مسبوق بقيمة 14183,2 م.د مقابل 11480,1 م.د خلال نفس الفترة من سنة 2017 و 9322,4 م.د لنفس الفترة من سنة 2016.
و وفق هاته الأرقام يكون العجز قد تفاقم هاته السنة (لغاية سبتمبر) بنسبة 23,5% مقارنة بالأشهر التسعة الأولى من سنة 2017 و ب52,14% كاملة مقارنة مع 2016.

2) المبادلات التجارية للنظام العام و نظام الأوفشور:

لا بدّ في البدأ من التوضيح أنّ النظام العام أو ما يعبّر عنه بنظام (Onshore) يخضع لقانون الصرف للبنك المركزي حيث يتم خلاص فاتورة التوريد بالعملة الأجنبية من مخزون العملة الصعبة و يفرض هذا القانون إرجاع مداخيل التصدير بالعملة الاجنبية إلى البلاد التونسية،
أمّا نظام الشركات الغير مقيمة و المصدرة كليا، أو ما يعبّر عنه بنظام (Offshore)، لا تخضع لقانون الصرف و ليست مجبرة لإرجاع أي سقف من مداخيل مبيعات التصدير بالعملة الأجنبية حسب القانون التونسي الذي منحها هذا الإمتياز منذ سنة 1972 بالإضافة للإمتياز الجبائي.
– في تفاصيل مبادلات النظام العام للتسعة أشهر الأولى لهاته السنة حققت الصادرات إرتفاعا بنسبة 28,4% مقارنة بنفس الفترة من سنة 2017 راجعة أساسا إلى الإرتفاع الملحوظ في صادرات المنتوجات الفلاحية (+61%) و خاصة مبيعات زيت الزيتون (1691,8 م.د) و التمور (542,7 م.د)، و قد مكّنت هاته الطفرة الإستثنائية في قطاع المنتوجات الفلاحية المصدّرة من تغطية الثغرة التي يحدثها تراجع في حجم صادرات الفسفاط و مشتقاته (-7,8%) الذي كان بالأمس القريب مصدر رئيسي لاحتياطيات العملة الصعبة، و لكن خسرت تونس أسواقا هامة مثل الهند والبرازيل بسبب تراجع الإنتاج وفقدت الصادرات أكثر من 4 مليار دينار في السنوات الأخيرة.
– أمّا واردات النظام العام فقد سجّلت إرتفاعا ب20% متأتية أساسا من إرتفاع تكلفة المواد الأولية و المواد الإستهلاكية و الغذائية نتيجة إنخفاض سعر الدينار، و أيضا إرتفاع الطاقة بسبب إرتفاع أسعار البترول في الأسواق العالمية المتأثرة بالتغيرات الجيوسياسية و الأزمة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة و إيران نع إقتراب الموعد المحدد لإستئناف العقوبات الإقتصادية.

3) تراجع حجم التغطية :

إنّ نسق إرتفاع حجم الواردات (21%) بوتيرة تفوق سرعة الصادرات (19,8%) أدّت إلى إنخفاض معدّل التغطية لإجمالي مبادلات النظامين العام و الأوفشور بمقدار 0,7 نقطة مقارنة ب2017 و ب1,7 نقطة مقارنة ب2016.

و بتسليط الأضواء على تفاصيل التغطية لكل نظام على حدة نجد أنّ معدّل التغطية في النظام العام، و هو الذي له تأثير مباشر على مستوى مخزون العملة الصعبة، سجّل مستوى تغطية للصادرات بالنسبة للواردات ب 26% فقط و هي نسبة خطيرة (لتبسيط الصورة هذا يعني أنّ كل دخول لدولار/أورو يقابله خروج أربع دولارات/أورو) ، و تمسّ من السيادة الوطنية و بعدة مؤشراة إقتصادية أخرى لعدة إعتبارات:
– مخزون العملة الصعبة : فهي تتسبّب من ناحية في إستنزاف مباشر لمخزون العملة الصعبة لدى البنك المركزي ممّا يتسبب في تدحرج الترقيم السيادي لتونس ،
– المديونية الخارجية: إستفحال التوريد العشوائي يمارس ظغط على الدولة التونسية و يثقل كاهل مديونيتها الخارجية و يصبح هدفها من التداين ليس فقط خلاص الديون الخارجية بل أيضا لخلاص فاتورة التوريد العشوائي لسلع تستنزف اقتصادنا الوطني و تنافس منتوجاتنا المحلية ذات القدرة التنافسية الضعيفة، و حجم المديونية هذا يتضخّم كلّما تهاوى سعر صرف الدينار،
– التضخّم المالي: بالإضافة إلى كلّ هاته المطبّات فإنّ إرتفاع حجم التوريد ينعكس سلبا و بشكل مباشر على التضخّم المالي ليصبح من نوع التضخم “المستورد” بإرتفاع أسعار السلع الإستهلاكية الأجنبية و السلع ذات المدخلات من المواد الأولية المورّدة، و الذي يستعصي على السياسات و الإجراءات النقدية للبنك المركزي معالجتها مهما فعل لأنّ آلياته لا سلطة له عليها،
– إنهيار الدينار: فالتوريد المكثف و ضعف التصدير يؤدّي إلى انهيار قيمة الدينار بسبب حجم الطلب المتزايد على العملة الصعبة مقابل ضعف العرض، و بالنهاية تصبح حلقة مفرغة بين جميع هاته المؤشرات التي تتأثر فيما بينها.

للخروج من هاته الحلقة المفرغة ليس هناك مناص إِلَّا بضرورة ترشيد التوريد بطريقة جذرية و في العمق و هذا يمرّ بالضرورة عبر تفعيل ما تسمح به المعاهدات الدولية من تفعيل الإجراءات الحمائية و منها اتفاقية التجارة العالمية (الفصل 12) و إتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي (الفصل 35) بدل محاولات الهروب إلى الأمام التي نشهدها حاليا من طرف حكومة يوسف الشاهد بخصوص المشاورات العبثية لما يسمى إتفاقية التبادل الحر الشامل aleca و المعمّق الذي سيقضي نهائيا على ما بقي من إقتصادنا الوطني.

شكري الجلاصي
-11 أوكتوبر 2018-

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *