الأحد , 20 سبتمبر 2020
الرئيسية / العالم / العالم بعد الكورونا ؟ أي مستقبل

العالم بعد الكورونا ؟ أي مستقبل

إنه آت من الشرق , تماما مثل الطاعون الأسود , من الصين , العملاق الاقتصادي الذي يتزايد نفوذه السياسي والعسكري يوما بعد يوما في حرب طاحنة وصراع كبير مع الولايات المتحدة الأمريكية , التي لعبت ولازالت تلعب دور شرطي العالم بعد سقوط العملاق السوفياتي.

إنه آت من الشرق , كائن لا يرى بالعين المجردة , ضئيل الحجم ولكنه ذو تأثير كبير : إنه الكورونا ايها السادة , مرض تنفسي حاد يقتات من أنفاس البشر

تاريخيا : اثبتت عدة دراسات أن انتشار الطاعون الأسود في العالم والذي بدأ في الشرق مرورا باسيا الوسطى فالشرق الاوسط ليصل الى شواطئ جنوة والبندقية وليتفشى اثر ذلك الى كامل القارة الاوروبية و حوض المتوسط قد أحدث زلزالا اجتماعيا وسياسيا ضخما خاصة في اوروبا التي كانت ترزح تحت القرون المظلمة , فترة من الزمن اتسمت بالتخلف و تنظيمات سياسية تقليدية واقتتال مستمر بين الكيانات السياسية و حتى داخلها و غياب لمفهوم الدولة الموحدة وسلطة كنسية ثيوقراطية قوية كان فيها رأس الكنيسة الكاثوليكية ” البابا’ ظلا لله في الأرض رغم ازدهار اقتصادي نسبي بفضل الحركة التجارية النشطة في حوض المتوسط .

بعد جلاء الوباء عن اوروبا , يقال ان الطاعون الاسود بعد ان حصد الملايين و حول مدنا باكملها الى مدن أشباح , قد حصد معه البنى الاجتماعية و الاقتصادية التقليدية , بل وساهم في تغيير بنية الاجور التي كانت قائمة حينها اذ كان النقص الحاصل في اليد العاملة نتيجة العدد الكبير من الوفايات قد ساهم في تحسن الظروف المعيشية للاقنان بعد ان كان هؤلاء ولقرون طويلة تحت رحمة السادة الاقطاعيين , وقد اضر هذا المرض الفتاك بسلطة الكنيسة و قوتها , لانها كانت ولقرون طويلة تعتبر ملاذا آمنا لجموع المؤمنين للتوقي من الجوائح والكوارث و المصائب , وامام عجز “ظل الله في الأرض” عن وقف هذا التفشي , أصبحت الكنيسة ( المؤسسة السياسية الأقوى في اوروبا في القرون الوسطى ) محل تساؤل ونقد

ورغم ان اغلب المؤرخين يتفقون ان الطاعون الاسود لم يكن السبب الرئيسي لانهيار النظام الاقطاعي الا انهم يتفقون على انه ساهم بشكل كبير في حصول الثورة في البنى الاجتماعية والسياسية التي ستحصل بعد سنوات .

وكذلك الامر بالنسبة لعدة أوبئة أخرى , مثل الانفلونزا الاسبانية , تتجاوز تاثيرات الاوبئة ما يتعلق فقط بالمعطيات الديمغرافية الكمية او ما يتعلق بالنظام الصحي لتحدث اثارا اجتماعية وسياسية وحتى جغراسياسية .

عودة إلى الكورونا , يتزامن تفشي هذا المرض مع حرب تجارية طاحنة بين واشنطن وبيكين , نتيجة لاختلال التوازن التجاري لصالح الصين ومع اصرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب على استعادة هذا التوازن , هذا الاختلال الذي له تاثيرات كبيرة على القوى الاقليمية والدولية ذات التاثير الكبير مثل اوروبا .

ولئن كانت الصين اولى الدول واكثرها تضررا من الكورونا في المراحل الاولى لانتشار المرض , إلا أن قدرتها على احتواء التفشي قد فاقت كل التوقعات , وما يثير الاهتمام حقا انه اضحت تمارس دور “طبيب العالم” بارسالها لمساعدات طبية الى الدول الاوروبية ( التي اضحت بؤرة وباء سوداء ) و مشاركتها للخبرة التي راكمتها في احتواء هذا التفشي و مساعدتها للعالم بكل ” كرم ” , هذا الكرم الذي تنظر له الولايات المتحدة الامريكية بخوف وتوجس

لفت التنين الصيني الانتباه , كقوة عالمية قادرة على احتواء احد اسوء الكوارث في تاريخنا المعاصر , في نفس الوقت الوضع الصحي لدى القوة الاولى في العالم , ” العم سام” كارثي بامتياز , ارتفاع مهول لاعداد المصابين ونسب وفاياة مرتفعة حتى اضحى البعض يتحدث عن فشل النظام الصحي الامريكي وسقوط القوة العسكرية الاعتى في العالم في فخ الوباء بوتيرة متسارعة .

الولايات المتحدة من جهة أخرى التي تبنى رئيسها سياسة ” التخلي عن الحلفاء” منذ صعوده للبيت الابيض . عبر التهديد بالتخلي عن الناتو وعن حلفائها التقليديين وشركائها الاوروبيين دفع باوروبا الى التوجه نحو الشرق أكثر من أي وقت , عبر تعاون اوروبي اسياوي في مجالات متعددة والان في مواجهة الكورونا , حتى روسيا نفسها ارادت نصيبها من هذه الارض العذراء التي تركها ” العم سام” فارسلت مساعدات طبية للدول الاوروبية الاكثر تضررا خاصة ايطاليا

الاتحاد الاوروبي , ذلك الكيان الذي يقوم اساسا على مبدأ واحد وهو ” التضامن الاوروبي ” , بعد ان بدأ ملك الموت بحصد الارواح في ايطاليا , اعلنت دول اوروبية مثل المانيا وفرنسا واسبانيا اجراءات حدودية أكثر ” تشددا” , وذلك يتعارض مع مقتضيات اتفاقية شنجن القائمة على روح ” الأمة الاوروبية” وفكرة ” المواطن الاوروبي ” اين تنتفي كل المعطيات اللغوية والدينية و العرقية

يشعر الايطاليون خصوصا بمرارة كبرى , ويعتبر جزء منهم أن اوروبا قد تخلت عنهم وتركتهم للمصير المحتوم , لم تقدم الجارة الالمانية القوية التي كان ماركوس اوريليوس يحلم باخضاعها لسلطة روما , او فرنسا التي تعج متاحفها بلوحات و منحوتات كبار الفنانين الايطاليين أي مساعدة ذات قيمة تذكر للايطاليين , في نهاية المطاف طغت المصلحة الوطنية الخاصة على المصلحة الاوروبية , وظهر الجسد الاوروبي مفككا كل يهتم لنفسه ويكترث لها .

رئيسة المفوضية الاوروبية قد إعترفت بذلك , واعتذرت للايطاليين ولكن السؤال المطروح : هل فات اوان الاعتذار ؟ قالت ان الاتحاد الاوروبي قد ادرك انه عليه حماية “الجميع” حتى يحمي نفسه .. حقيقة اعترفت بها رئيس الهيئة الاوروبية ولكنه اعتراف متأخر .

يشير العديدين الى شعور بالغضب الشعبي بصدد التصاعد ازاء مفهوم ” الامة الاوروبية” , أصبح الكثيرون “شكوكيين” في علاقة بمدى فعالية الوحدة الاوروبية ومدى وجاهة استمرار الاتحاد الاوروبي , إنها وجبة دسمة و لذيذة تقتات منها الاحزاب اليمينية في اوروبا والداعية للاجهاز على الاتحاد الاوروبي , ذلك الجسد السياسي المنهك الآن .

أعتقد أن هذا التفشي سيحدث تغييرا في المستوى الدولى , من المرجح ان تفقد الولايات المتحدة الامريكية الريادة – او جزءا منها حتى نكون اكثر تعلقا بالواقع – خاصة في مستوى نفوذها الدبلوماسي الممتد في العالم , قد تصبح الريادة للصين فتتحول من عملاق تجاري واقتصادي الى ممارسة الريادة في المجال الدبلوماسي والعلمي , ووفقا للمعطيات المذكورة اعلاه , فإن تفكك النسيج الاوروبي وارد ان تواصل الوضع في القارة العجوز بهذه الشاكلة . قد يؤدي الوضع ايضا الى تنامي النفوذ الروسي من جديد . وتوجه عدد متزايد من الدول نحو الارتماء في الاحضان الروسية و الصينية .

أسئلة تدغدغ تفكيري . كيف ستكون الخارطة الجغراسياسية في العالم بعد الكورونا ؟ و السؤال الاهم . أين تونس من كل هذه التغييرات ؟ نعم نحن بلد متواضع الموارد والامكانيات لكن موقعنا الاستراتيجي هل سيسبب لنا المتاعب . ام سنجني بفضله الثمار ؟

 

محمد علي سلامة

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *