الإثنين , 23 سبتمبر 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / الخزندار في الجوار …

الخزندار في الجوار …

لم تكن سنة 1890 لتمر دون أن يغمض خير الدين باشا عينيه إلى الأبد، الرجل الذي ولد في مكان بعيد عن هذه الأرض غادر الدنيا من إسطنبول، مكان آخر بعيد عن هذه الديار.

قبل ذلك الحدث بعقدين، لم يكن التاريخ سريعا كما هو اليوم لذلك فقد كانت الفرصة متاحة للتدارك و كانت صفارات الإنذار قد دوت منذ ردح من الزمن لكن أهل البلاط صموا آذانهم عنها و ٱعتبروها مجرد كبوة و ستمر.
خير الدين الشاب المتقد معرفة و نشاطا و الرجل الذي رافق الباي إلى فرنسا ذات 1846 كان رجلا مناسبا لمواقع عديدة، محفوفا برجال صادقين من طينة الجنرال حسين و أحمد إبن أبي ضياف و محمد بيرم الخامس ظن أن المعركة محسومة لفائدة المصلحين و “إن بعض الظن إثم” فالفريق منافس جمع لؤم مصطفى خزندار و جشع ثلة من أفسد المسؤولين و دهاء حكومات غربية إختارت تونس إمتدادا لمجالها الحيوي، برغم قربه من إدارة القرار و برغم المناصب الكثيرة التي تقلدها فإن خير الدين لم ينجح في فك الحصار عن أفكاره و وجد نفسه كلما تقدم بالبلاد خطوة أعاده المعسكر الفاسد إلى الوراء أميالا.
الغريب في الأمر أن التاريخ كان رحيما بهذه الأرض و بدت عجلة الأحداث مترددة، كريمة في منح القائمين على شؤون البلاد فرصا جديدة، إنتفاضة علي بن غذاهم إعتراضا على ضريبة المجبى المجحفة، هروب محمود بن عياد إلى فرنسا بعد أن نهب أضعاف ميزانية الأيالة، محاولة خير الدين إدانته أمام القضاء الفرنسي لإسترجاع مال الشعب المنهوب، تولي الكومسيون المالي الأروبي زمام الأمور، كلها إشارات واضحة تدل على مصاب جلل في طريقه إلى تونس و كانت فرصة الإصلاح ضئيلة و لكنها ممكنة.

خوفا من سماع نفير العسكر الفرنساوي على حدود الحاضرة، بذل خير الدين الكثير، حاول إصلاح الإدارة و ٱهتم بالتعليم، مارس سياسة إصلاحية تجنب البلاد الوقوع في الهاوية و لكنه لم يكن يعلم أن الخزندار مصطفى و عصابته المدعومة و بشدة من الأطراف الأجنبية لن يستسلموا بسهولة و أنه سيجد نفسه مقالا من مهامه، مسافرا إلى تركيا و لا أعلم كيف تلقى خبر سقوط تونس سنة 1881 أسيرة لدى المستعمر الفرنسي.
عند لحظة الحقيقة وقفت القبائل بكل ما تملك من جهد و ما لا تملك أمام الجراد الزاحف و طأطأ الباي رأسه طائعا و أمضى إتفاقية الحماية و لعله تذكر حينها خير الدين و تأسف لعدم إستجابته لنداءاته المتكررة.

اليوم، في بلد مرتهن بشكل كارثي لقوى الغزو العالمي، في بلد يرتع في أروقة وزاراته أحفاد نسيم شمامة و بن عياد هل يفلح أحفاد خير الدين أم تراهم يخسرون معركة أخرى؟، معركة بحجم وطن.

محمد علي الشامخي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *