الجمعة , 15 ديسمبر 2017
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / الحكم المحلي في تونس: إمتحان جدي وسط مطبات الردّة

الحكم المحلي في تونس: إمتحان جدي وسط مطبات الردّة

يعتبر تنزيل فصول السلطة المحلية الواردة بدستور الجمهورية التونسية أكبر تحدي ينتظره التونسيون نظرا لما أتى به من ترسانة من مبادئ و مفاهيم حديثة تؤسس لتوجه مبني على سياسات القرب في ظل حكم محلي يعتمد المقاربة التشاركية ومبادئ الحوكمة و الشفافية .
ماهية الحكم المحلي
يمكن تعريف الحكم المحلي بأنه الديمقراطية التي تمارس على مستوى محلي ومن هيكل محلي اعتمادا على طبيعة النظام المعمول به لتسيير الشأن العام. فالديمقراطية المحلية تعني في المقام الأول أن يُعهد للجماعات المحلية بتصريف شؤونها باستقلالية في إطار دولة موحدة. وقد تكرّس هذا الأمر بموجب الدستور التونسي بما يفرض مراجعة المنظومة القانونية في جزئها المتعلق بالجماعات المحلية على المستويين الإداري والمالي(1) .
و أقرّ دستورنا نموذجا جديدا للسلطة المحلية كأحد أهم سمات نظام الحكم في المرحلة المقبلة ، و منح الحكم المحلي مكانة و مقاما متميزا حيث خصّه بباب كامل (الباب السابع) عنوانه السلطة المحلية تماشيا مع روح الثورة ونجاح تجارب تطبيق الديمقراطية التشاركية في عديد الدول، فاستلهم المشرع التونسي هذا المبدأ ونصّ الفصل 131 من الدستور على أنّ السلطة المحلّيّة تقوم “على أساس اللاّمركزيّة” التي “تتجسّد في جماعات محلّيّة تتكوّن من بلديات وجهات وأقاليم، يغطّي كلّ صنف منها كامل تراب الجمهورية”. وتتمتع هذه الجماعات “بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والماليّة وتدير المصالح المحليّة وفقا لمبدأ التّدبير الحرّ” (الفصل 132).
أهل الردة و دعاة الدولة المركزية
و في وقت كنا ننتظر فيه الاسراع بخطوات تنزيل مبادئ الحكم المحلي في تونس من خلال إجراء أول استحقاق انتخابي محلي نفاجئ في مرة أولى و ثانية بتأجيل الموعد في حركة مخيبة لآمال المواطن و المنظمات المجتمع المدني والتي اعتبرتها خطوة إلى الوراء في العملية الديمقراطية، لتتواصل مفاجأتهم لنا من خلال ما صدر من تصريحات للحزب الفائز في انتخابات 2014 و صاحب السلطات الثلاث( رئيس جمهورية و رئيس حكومة و رئيس مجلس النواب) تنظر للعودة إلى ماضي قريب .
فقد أطل علينا السادة برهان بسيس منظر السياسات و فؤاد بوسلامة المكلف بالإعلام والاتصال في حزب حركة “نداء تونس” اللذان اعتبرا أن الحكم المحلي، كما ورد في الدستور، فيه “خطر على البلاد”، وأن نظامه لا يناسب تونس بل أن الصدمة كانت أكير حين صرح أحد النواب المؤسسين عن حركة النهضة و وزير الصحة عماد الحمامي أن الشعب التونسي غير مؤهل حاليا للحكم المحلي ؟؟ !!!
القيادة الندائية و من معها يجذبهم الحنين لمركزية القرار و سلطة القصر في توجيه السياسات العامة و ترى أن صياغة الباب السابع للدستور تعطي حصانة واستقلالية وسلطة مركزية قد تمثل خطرا على وحدة البلاد والتواصل بين مؤسساتها لذلك سيعمل النداء و حلفاءه حسب نفس المصادر على مراجعة هذا الباب خاصة أن المواطن غير متعود على هذه الممارسة وسيضغط الحزب عبر مجلس نواب الشعب خاصة لمزيد توضيح مسؤوليات السلطة المحلية الجديدة في اتجاه المحافظة على سلطة الدولة ومراقبتها لهذه السلطة المحلية حتى لا تحيد عن مسارها.
مسار كرسته السلطة المركزيّة بداية من اعتماد دستور 1959 ، و القائم على تقسيم جهويّ وإداريّ خاضع للحسابات السياسيّة وضرورة ضمان ارتباط مختلف الجهات بالمركز السياسيّ أين تتم صناعة القرارات السياسيّة والخيارات الاقتصادية والمخطّطات التنمويّة للبلاد كافة.
ورغم تعديل الأمر نحو اللامركزية المخففة بداية من أوائل التسعينات من خلال إنشاء المجالس الجهوية و المحلية إلا أنها ظلّت مجرّد مجالس صوريّة لا تعبّر عن اختيارات وحاجات المواطنين و بصلاحيات مغرغة و دون سلطات حقيقيّة، بل كانت تخضع لسلطة وإرادة الحكومة المركزيّة والحزب الحاكم في مناخ سياسيّ تميّز بهيمنة الحزب الدولة(2) .
هؤلاء يروجون لعودة نظام فاشل اتسم بالمركزية الشديدة في اتخاذ القرارات، لعبت فيه المجالس البلدية المنتخبة دوراً محدوداً نسبياً في التنمية المحلية. ولم تتعد حصتهم من إجمالي الإنفاق العام 4 في المائة. وبحكم القانون ( الساعين لعودته ) ، فقد تولت المجالس البلدية مسؤوليات وظيفية محدودة أمام سياسة مركزية و خيارات سلطة واحدة أدّت إلى تكريس سياسة التهميش والحرمان والتخطيط المركزيّ و حولت الجهات الداخلية إلى مناطق منفّرة و مقصاة من الامتياز المجاليّ للاستثمارات وتوزيع عائدات الدورة الاقتصاديّة ..
الطريق إلى الديمقراطية المحلية
تنبني الديمقراطية المحلية على أسلوبين: النموذج التمثيلي الذي يقوم فيه ممثلو متساكني الجهة بالتكفل بشؤونهم، والنموذج التشاركي الذي يُمكّن هؤلاء من المساهمة المباشرة في اتخاذ القرار. والملاحَظ أنّ النموذجين يتكاملان في غالب الأحيان وفي تونس، تم اعتماد النموذج التمثيلي منذ الجمهوريّة الأولى وقد تمّ تدعيمه بالديمقراطية التشاركيّة في دستور 2014.
أسفرت تجارب تطبيق الديمقراطية التشاركية، بأنها نظام للحكم الجيد وإعادة الثقة في السياسات الحكومية، وأنها كذلك عملية لترميم الديمقراطية التمثيلية.
فالديمقراطية التشاركية تجعل من المواطن العادي في قلب اهتماماتها باعتبارها شكلا من أشكال التدبير المشترك للشأن العام المحلي يتأسس على تقوية مشاركة السكان في اتخاذ القرار السياسي وهي تشير إلى نموذج سياسي “بديل” يستهدف زيادة انخراط ومشاركة المواطنين في النقاش العمومي وفي اتخاذ القرار السياسي، أي عندما يتم استدعاء الأفراد للقيام باستشارات كبرى تهم مشاريع محلية أو قرارات عمومية تعنيهم بشكل مباشر، وذلك لإشراكهم في اتخاذ القرارات مع التحمل الجماعي للمسؤوليات المترتبة عن ذلك.
وتستهدف الديموقراطية التشاركية دمقرطة الديموقراطية التمثيلية التي أظهرت جليا بعض عيوبها وتعزيز دور المواطن الذي لا ينبغي أن يبقى منحصرا فحسب في الحق في التصويت أو الترشح والولوج إلى المجالس المنتجة محليا ووطنيا، بل يمتد ليشمل الحق في الإخبار والاستشارة وفي التتبع والتقييم، أي أن تتحول حقوق المواطن من حقوق موسمية تبدأ مع كل استحقاق انتخابي وتنتهي بانتهائه الى حقوق دائمة ومستمرة ومباشرة تمارس بشكل يومي وعن قرب، وهي بهذا المعنى تتميز عن الديمقراطية التمثيلية التي تمارس عبر واسطة المنتخبين اللذين قد يتخلون عن دور الاقتراب من المواطن وإشراكه في صنع وإنتاج القرارات وبذلك يصبح دور المواطن هو تتبع وتدبير الشأن المحلي دون وساطة.
لقد غاب عن هؤلاء “دعاة الدولة المركزية الفاشلة” أن أصدقاءهم في الغرب ممن يتسابقون إلى سفارتهم أكدوا في مؤتمر للاتحاد الأوربي حول الديمقراطية التشاركية المنعقد بالعاصمة البلجيكية بتاريخ 8 و 9 من مارس 2004، على أن الديمقراطية الأوربية في أزمة حصيلة يتقاسمها الكل و”أن الديمقراطية التشاركية هي الحل للازمة وقيمة مضافة لدول الاتحاد الأوربي” و “يجب على الديمقراطية التشاركية ان تضخ دما جديدا للديمقراطية لتكمل الديمقراطية التمثيلية وتنمية التعاون مع باقي الشركاء الاجتماعين”.
يبقى الآن الامتحان الجدي للأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني في الوقوف أمام محاولات الردة و المضي قدما للضغط من أجل أن تلقى هذه اﻷحكام طريقها إلى التجسيم في القوانين التطبيقية (مجلة الجماعات المحلية الخ…) وفي الممارسة اعتمادا على سياسة القرب المنطلقة من الأطراف إلى المركز خيارا سياسيا اجتماعيا و استراتيجيا..
وبأن تكون الإدارة التنفيذية في المستوى المحلي والجهوي والإقليمي في متناول السكان فعلا وأن تمنحهم فرصا حقيقية لتوسيع مجالات اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻓﻲ صنع اﻟﻘرار اﻟﻤﺤلّي في إطار الديمقراطية التشاركية وﺘﺸﺠﻴﻊ اﻟﺘﻌددﻴﺔ و تحقيق اﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔوتوفير ﻤﺠﺎﻻت اﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ وأن تكون هذه اﻟﺴﻠطﺎت أﻛﺜر ﺘﺠﺎوﺒﺎ وﺘﻛﻴّﻔﺎ ﻤﻊ اﻷوﻀﺎع اﻟﻤﺤﻠّﻴّﺔ اﻷﻤر اﻟذي سيعطيها ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ أﻛﺒر في تنمية الجهات وانتشالها من التهميش .
(1) مقال الاستاذة ليلى اليعقوبي السلامي في مجلة المفكرة القانونية : الحكم المحلي في تونس بين الجمهوريّتين
(2) محمد سميح الباجي عكاز :مقال هل تكون اللامركزيّة آلية لمعالجة التفاوت الجهوي؟
(3) انطوني غيدنز، بعيد عن اليسار واليمين، مستقبل السياسات الراديكالية، (ترجمة شوقي جلال)،عالم المعرفة، عدد 286، اكتوبر 2002.
عصام الدين الراجحي – عضو المجلس الوطني للتيار الديمقراطي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *