الأربعاء , 28 يوليو 2021
الرئيسية / تيار الطلبة الديمقراطيين / الجزء الأول: خروج الزّيتونيين من عقمهم والقمقم

الجزء الأول: خروج الزّيتونيين من عقمهم والقمقم

منذ أواخر القرن 19 بدأت نتوءات الحركة الطّلابيّة التّونسيّة في التّشكّل كنتيجة طبيعيّة لبدايات الخروج من القرون الوسطى والانخراط في “التّحديثLa Modernisation ” .. ولئن كانت الحركة نتيجة لتلك الإرهاصات التّحديثيّة فستكون لاحقا قاطرة لـ”النّهضة La Renaissance” مسهمة بفاعليّة في “حركة التّحرير” و”بناء الدّولة الوطنيّة” وانبثاق “الحركة الدّيمقراطيّة”.. ومن ثمّة فإنّ الحديث عن الحركة الطلابية التّونسيّة إنمّا هو وصل بالجذور الثّقافيّة والسّياسيّة ‏للنّخب التّونسيّة ونضالاتها..
من البداهة أنّ الحركة الطلاّبيّة موصولة بمُسمّى “الجامعة” و”الكليّة” و”المدارس/المعاهد العليا”، وأوّل مؤسّسة صحّ فيها مُسمّى ذلك وإن لم يحمل في البدء اسمها “جامع الزّيتونة” وقد سمّاه الطّاهر الحدّاد مبكّرا في كتابه “التّعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزّيتونة” بـ”الكليّة”.. هذا وانخرط لفيف من الزّيتونيين في الأفق الإصلاحي الدّيني الذي قاده في العالم العربي الشّيخ محمّد عبده والذي أثّر في النّخبة التّونسيّة وخاصّة في زيارته الثّانية إلى تونس عام 1903 حيث “التقى عبده على انفراد أو في أثناء مآدب الضّيافة بعدد كثير من الشّبان التّونسيين” وكان للشّبيبة الزّيتونيّة نصيب منها (محمد عبده في تونس، الموسوعة التّونسيّة. المجمع التّونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة).. وقد ذكر الشّيخ محمّد الطّاهر ابن عاشور أنّ مسألة إصلاح التّعليم الزّيتوني تمّت إثارتها حينها مع الضّيف فقد: “صادف ورود الأستاذ الشّيخ محمّد عبده إلى تونس والأفكار قد نضجت من الخوض في هاته المسائل ومطالعتها، فاشرأبّت الأعناق إلى سماع رأي زعيم النّهضة المصريّة” (بن عاشور، أليس الصّبح بقريب: التّعليم العربي الإسلامي دراسة تاريخيّة وآراء إصلاحيّة. دار سحنون. تونس2006، ص.ص215-216).. وكان من ثمار الدّعوة الإصلاحيّة أن أفضى اجتمع نحو 200 من الطّلبة الزّيتونيين يوم 10 فيفري 1907 بقاعة الخلدونّية حضره جمع من المشايخ إلى تأسيس “جمعيّة تلامذة جامع الزّيتونة”. ويبدو أنّ صراع أجيال نشب داخل “العُصبة الإصلاحيّة” إذ تشكلت قيادتها من المشايخ مع اقتراح محمّد الطّاهر بن عاشور تغيير اسمها الذي أصبح “الجمعيّة الزّيتونيّة” وقد أشار إلى ذلك في كتابه إذ خطّ بالصّفحة217: ” تخوّف التّلامذة المشكّلون للجمعيّة وأحسّوا أنّ الجمعيّة ستنقلب جمعيّة أساتذة بعد أن كانت جمعيّة تلامذة” وبذلك حدث الانقلاب مع سابقيّة الإضمار والتّرصّد وسُرق حلم الشّبيبة الطلابيّة! لكن هيهات فقد سَرقت الشّعلة بُغية صنع جدل النّار والأنوار!
الصّراع مع المؤسّسة “انطلق بصفة جليّة مع اضرابات سنة 1910. ففي هذه السّنة زار المصلح علي باش حامبة جامع الزّيتونة وخطب في جموع الطّلبة حاثّا إيّاهم على التّغيير والنّضال من أجل الحريّة باستعمال الحكمة والرؤيّة وبالاندفاع والحماس لأنّ “الحريّة لا تُعطى عفوا وإنّما تؤخذ قسرا” (عبد الواحد مكني: المعادلة الصّعبة، فشل حركة الاستنارة الحديثة في البلاد العربيّة، دار ساقي، بيروت الطّبعة الإلكترونيّة، ص.23).. ففي يوم الجمعة 11 مارس 1910 نظّم 400 من طلبة الجامع اجتماعا عاما قاده الطّالب إبراهيم بن شعبان مطالبين بعقد لجنة الإصلاح التي تنظر في تنقيح مناهج التّعليم وسلّم وفد من الطّلبة إلى سلطة الاحتلال عريضة أمضاها 800 طالب يدعون فيها إلى إجراء إصلاحات في المؤسّسة الزّيتونيّة (ادراج العلوم العصريّة في برامج التّعليم…) وتحقيق مكاسب عينيّة (إعفاء الطّلبة من دفع ضريبة المجبى والخدمة العسكريّة…). وبداية من يوم السّبت 18 أفريل 1910 دشّن الطّلبة الزّيتونيّون أوّل إضراب عن الدّروس امتدّ لـ10 أيّام كاملة حتّى 28 أفريل 1910. في ثاني أيّام الإضراب “أحاطوا (…) بالجامع منعا لدخول المدرّسين، كما قرّروا التّشويش على بعض المدرّسين الذين أصرّوا على إلقاء دروسهم برفع أصواتهم جماعيّا… ورغم أنّ الشّيخين الطّاهر بن عاشور وعثمان بن المكّي كرّرا الدّعوة إلى استئناف الدّراسة فورا ملوّحين بأنّ التّمادي في الإضراب سيكون له عواقب وخيمة فقد أعلن الطّلبة من جديد عزمهم على مواصلة الإضراب حتّى تُلبّى جميع طلباتهم بما في ذلك إرجاع زملائهم المطرودين” (الزّبيدي، القلائد العنبريّة على المنظومة البيقونيّة، تحقيق وتعليق د. نور الدّين الجلاصي، مجمع الأطرش. تونس2014، ص 22-23) ذلك أنّ السّلطات الاستعماريّة قامت بقمع الإضراب والمظاهرات الشّارعيّة بعد التّجمهر أمام “دار الباي” (مقرّ الحكومة التّونسيّة بالقصبة) ما أدّى إلى القبض عن 17طالبا منهم فتم سجن 8 وارسال 5 إلى الإقامة الجبريّة في المناطق العسكريّة بالجنوب وطرد 4 من الجامع الأعظم (علي الزّيدي: الزّيتونيون ودورهم في الحركة الوطنية التونسـية 1904-1945، دار النّهى. تونس2007 ص187).. هذا وقاد أوّل إضراب الزّعيم الطلاّبي الطيّب الأسود والذي تمّ طرده وهو والد عبد الحق الأسود أحد أهم مؤسّسي الإتّحاد العام لطلبة تونس بعد 40 عاما (محمّد ضيف، تراجم النّاشطين في الحركة الطلابيّة التّونسيّة، المنشورات الجامعية بمنوبة-تونس، ،2014. القسم الأوّل)
ورغم التّضحيات “انعقد اجتماع عام بالقصبة أمام المدرسة الصّادقيّة يوم 13 ماي 1910، للاحتفال بنجاح الإضراب والإفراج عن الطّلبة الموقوفين. وقد تناول الكلمة عدد من قادة الحركة الوطنيّة للتّعبير عن تضامنهم مع الطّلبة وكان من بين الخطباء الصّادق الزّمرلي الذي أشار إلى هذه الفرصة المتاحة للشّبيبة المدرسيّة وتلاميذة الجامع الأعظم ليؤكّدوا، رغم الصّائدين في الماء العكر، على روابط التّضامن والتّعاطف المتبادل والتّفاهم التّام فيما بينهم. كيف لا وهم ينتمون إلى بلد واحد ويتكلّمون لغة واحدة ويسعون إلى غاية واحدة” (الصّادق الزّمرلي، أعلام تونسيّون، تقديم وتعريب حمّادي السّاحلي. دار الغرب الإسلامي، بيروت 1986، ص15).. هكذا دشّنت الحركة الطّلابيّة نضالها في تفاعل مع السّاحة الوطنيّة وستواصله، كما سنواصل متابعها!

فوزي الشعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *