الأحد , 8 ديسمبر 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / التّكنوقراط .. قفّازات الأحزاب للإمساك بالسّلطة

التّكنوقراط .. قفّازات الأحزاب للإمساك بالسّلطة

 

التّكنوقراط مصطلح تردّد كثيرا على مسامع التّونسيّين بعد ثورة 2011،و ها هو اليوم يطفو مرّة أخرى على السّاحة ليمثّل حلّا تطرحه بعض الأحزاب و على رأسها حركة النّهضة في ظلّ الخلافات و التّجاذبات السّياسيّة التي تعيشها تونس و المتعلّقة بتشكيل الحكومة.كما يأتي ترشيح حركة النّهضة الحبيب الجملي لرئاسة الحكومة و اقتراح تحييد وزارات السّيادة متماهيا مع خيار الطّابع “التّكنوقراطي” للحكومة لا السّياسي. فيما يعتبر البعض أنّ هذا التّوجّه ليس سوى وسيلة لسحب البساط من تحت الأحزاب التي وضعت شروطا و طالبت بوزارات بعينها لقبول المشاركة في تشكيل الحكومة على غرار حزب التّيّار الدّيمقراطي.

لقد عرفت تونس منذ 2011 تداول عدد كبير من الحكومات ، التي لم تكن كلّها حكومات سياسيّة ،فقد كان لتونس تجربة مع حكومة التّكنوقراط في مناسبتين : الأولى كانت مع حكومة المهدي جمعة (الذي استهوته اللّعبة السّياسيّة فأسّس حزبا و ترشّح لرئاسيّات 2019) و الثّانية حكومة الحبيب الصّيد( الذي لم يتحمّل الضّغط الذي مورس عليه فخيّر الانسحاب و قدّم استقالته). ورغم الاختلاف بين هاتين الحكومتين إلّا أنّ القاسم المشترك بينهما يبقى الفشل على جميع الأصعدة. فالحصيلة ضلّت كارثيّة، فرغم “الكفاءات” التي تقلّدت مسؤوليّات و حقائب وزاريّة ضمن هاتين الحكومتين لم نلحظ أيّ تحسّن سواء على الصّعيد الاقتصادي أو على الصّعيد الاجتماعي .

فعلى الصّعيد الاقتصادي مثلا، نجد أنّ جميع المؤشّرات الاقتصاديّة في نزول مستمرّ و سريع ، الدّينار التونسي أيضا انحدر إلى أدنى مستوياته ، تفاقم عجز الميزان التّجاري و القائمة تطول..

أمّا على الصّعيد الاجتماعي فلم تتمكّن حكومة التّكنوقراط من إرساء مناخ اجتماعي مستقرّ، فنجد مثلا أنّ الصّناديق الاجتماعيّة قد شارفت على الإفلاس و لم تحضى بأيّ خطّة لإنقاذها، ارتفاع الأسعار و نقص التّزويد بالمواد الغذائيّة الأساسيّة كالحليب و الزّيت المدعّم و غيرها من المشاكل الأخرى التي لم تكن لحكومة “الكفاءات” القدرة على حلّها.

بالنّظر إلى هذه الحصيلة التي تعكس فشلا ذريعا لحكومتي التّكنوقراط، يصبح هذا الخيار في مثل هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ البلاد فاقدا لكلّ مقوّمات النّجاح . فالظّرف الاقتصادي و الاجنماعي و خاصّة السّياسيّ الذي تعيشه تونس اليوم لا يشكّل مناخا ملائما لحكومة غير سياسيّة ، فالانتخابات قد باحت بأسرارها و أعطى النّاخب صوته لأحزاب بعينها حتّى تطبّق برامجها بأيديها لا بالوكالة أو بالمناولة السّياسيّة .

ليس المجال اليوم للتّهرّب من المسؤوليّة بترشيح شخصيّات مستقلّة في ظاهرها تستعملها الأحزاب كقفّازات تمسك من خلالها بمقاليد السّلطة ثمّ تقدّمها كبش فداء أو شمّاعة تعلّق عليها فشلها.

إنّ الأحزاب التي احترفت الحكم منذ 2011، سواء بطريقة مباشرة أو من خلال “مناولة” المستقلّين ، كحركة النّهضة، ستسعى جاهدة لأن لا تُشرك أحدا بالحكم إلّا من والاها. و إذا ما برزت قوّة سياسيّة أخرى لها مشروع أو برنامج واضح الأهداف و الآليّات ستجتهد في مناورته بشتّى الطّرق ،و في نفس هذا السّياق يأتي مقترح تحييد الوزارات السّياديّة الذي صرّحت به حركة النّهضة ، حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال التّغافل على أنّ هذا الاقتراح في علاقة مباشرة و وثيقة بشروط حزب التّيّار الدّيمقراطي للمشاركة في الحكم التي طالب فيها بتولّي وزارات العدل و الدّاخليّة و الإصلاح الإداري لتطبيق برنامجه المتعلّق بمحاربة الفساد حسب رؤيته و توجّهاته.لكن و حتّى لا تظهر في مظهر المتمسّك بهذه الوزارات و خاصّة وزارة الدّاخليّة، ارتأت حركة النّهضة أن تناور باقتراح تحييد هذه الوزارات و منحها لشخصيّات “مستقلّة”، في محاولة لسحب البساط من حزب التّيار الدّيمقراطي و إحراجه أمام الرّأي العام.

ليس ذكيّا من يعيد إجراء تجربة بنفس الأدوات و الطّرائق ،ثمّ ينتظر نتائج عكس التي حصل عليها في السّابق. فتجربة “التّكنوقراط” في تونس أثبتت فشلها لأسباب عدّة أهمّها انعدام “الاستقلاليّة” فعليّا و غياب النّظرة السّياسيّة الواعية بمشاكل المجتمع العميقة . فلا طائل من إعادة تجربة محتوم فشلها ، إلّا إذا كان من يدعمها و يسوّق لها يبطن عكس ما يُظهر.

 

ماجد الحمروني

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *