الأحد , 8 ديسمبر 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / التيار الديمقراطي حزب من خارج قاعدة الاصطفاف التاريخية

التيار الديمقراطي حزب من خارج قاعدة الاصطفاف التاريخية

 

أن المتابع للشأن العام و لو بقدر بسيط و الملاحظ للشأن السياسي التونسي يمكنه أن يلاحظ بكل سهولة ان حركة النهضة تقوم بشن حرب شعواء على التيار الديمقراطي.

انطلقت أولى شرارة هذه الحرب مند بلديات 2018 بعد النتائج الجيدة التي حققها هذا الحزب حينها و قرار مجلسه الوطني التاريخي بعدم التعامل مع النهضة أو النداء، مند ذلك الحين انطلقت حركة النهضة فعليا في محاربة التيار الديمقراطي معتمدة شتى أساليب التشويه و الكذب و جيشا من الذباب الأزرق مسلحا بترسانة من الصفحات الفايسبوكية القذرة المدفوعة الاجر “سبونسوريزاي” يشرف على الكثير منها قادة من الصف الأول في النهضة.

ثم بلغت هذه الحرب أوجها و أشدها حين أصدر حزب التيار الديمقراطي موقفه من مسألة الحقوق الحقوق الفردية و المساواة و خاصة في مسألة المساواة في الأرث، و رغم أن بيان الحزب في هذه المسألة واضح و صريح حيث كان أول من نادى بأعتماد نظام تشريع مزدوج أو الذهاب في أقصى الحلات للاستفتاء لتفادي مخاطر الأنقسام داخل المجتمع، ألا ان الصفحات الزرقاء القذرة لم تتوانى عن هتك اعراض قادة التيار الديمقراطي حتى أن الكثير منها كفر محمد عبو خاصة و منخريطي التيار عامة. و رغم أن شعبية الحزب تضررت كثيرا من هذه الحملة لأن اغلب الشعب التونسي يصدق ما تكتبه هاته الصفحات من باب حسن النية “جماعة ربي ما يكذبوش” إلا أن التيار الديمقراطي تمكن من امتصاص الصدمة بفضل هياكله و إصرار قواعده و استماتتهم في الدفاع عن حزبهم أمام الرأي العام، فتمكن الحزب من كسب ثقة عدد محترم من التونسيين، ترجم في الانتخابات التشريعية بعدد لا بأس به من مقاعد البرلمان مكنه من أن يكون القوة الحزبية الثالثة و رقما صعبا على الخارطة السياسية التونسية.

و الملاحظ هنا أن عدد مقاعد التيار تضاعف حوالي 700٪ بين سنة 2014 و سنة 2019 في حين تواصل تقهقر حركة النهضة و تواصل خسارتها لمقاعدها و خسارتها لقاعدتها الانتخابية بشكل دراماتيكي حيث خسرت حوالي مليون ناخب بين سنة 2011 و سنة 2019. هذا السقوط المدوي لحركة النهضة و الصعود اللافت لحزب فتي لا يتمتع بتمويلات مشبوهة و لا تسنده الدولة العميقة و رجال الأعمال الفاسدين جعل القائمين على حركة النهضة يفقدون صوابهم. و ما زاد جنونهم موقف التيار الديمقراطي من مسألة الانضمام للحكومة و ثباته على رأيه و تماسكه رغم الهرسلة و الاغراءات. مما اضطر قادة الصف الاول في النهضة إلى انخراطهم بشكل مباشر في حملة التشويه و الكذب ضد الحزب.

هنا لسائل أن يتساءل ما السر وراء ضراوة هذه الحرب التي تشنها النهضة ضد التيار. حسب ما سبق ذكره من معطيات يرجع السبب المعقول و المنطقي لهاته الحرب إلى أن حركة النهضة تستثمر في نقيض ما يستثمر فيه التيار بالضبط. إذ أن هذا الحزب ذو القاعدة الشبابية العريضة ما فتئ يقدم نفسه على أنه يخوض معركة الوعي، فكلما ارتفع منسوب الوعي ارتفعت معه اسهم التيار الديمقراطي، عكس النهضة تماما، فاخطر ما يهدد كيان هذه الحركة هو الوعي فكلما ارتفع منسوبه أدرك الشعب خبثها و ألاعيبها. زيادة على ذلك ما يرعب النهضة و يشكل لها كابوسا و يهدد وجودها فعلا هو صعود حزب قوي مهيكل يتمتع بقاعدة انتخابية صلبة من خارج قطبي الصراع التاريخي “الدساترة” و “الخوانجية”.

صعود حزب من خارج هاته المنظومة بأفكار لا تتضارب و هوية الشعب و قادر على الصمود أمام ماكينة الدولة العميقة و ماكينة النهضة في نفس الوقت تجعل من هذا الحزب يمثل خطراً وجوديا على حركة النهضة. مع كل استحقاق انتخابي حزبي داخلي او وطني خارجي تعلق النهضة آمالها على رصد أي تصدعات أو انشقاقات محتملة داخله، لكن التيار الديمقراطي اثبت في كل مرة أنه قادر على حل ما يعترضه من مطبات باعتماده على ما توفره الديمقراطية من آليات و خرج من كل استحقاق اقوى من ذي قبل.

و لازالت النهضة لم تفقد الامل بعد من توصلها لتفتيت التيار الديمقراطي سواء بالاتجاء للهجمات الخارجية أو بمحاولة بث الشكوك الداخلية عبر الترويج للأكاذيب علها تتتمكن من انهاكه داخليا و من ثم الإجهاض عليه خارجيا تماما مثلما حدث مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

إن التيار الديمقراطي يمر هاته الايام باصعب امتحان له على الاطلاق منذ تأسيسه و حسب تقديري فإن له من الآليات و الافكار و التجارب المتراكمة ما يمكنه من يتجاوز هذه المرحلة بسلاسة و سلام، مما سيكون له تأثير مباشر على مستقبل هذا الحزب و على تونس عموما فالقوى الكلاسيكية في طريقها للتآكل والاندثار و السيرورة التاريخية توجب صعود قوى جديدة من خارج قاعدة الاصطفاف التاريخي “دساترة” – “خوانجية”.

 

محي الدين الجريدي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *