الإثنين , 17 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / البلدية المدرسة الأولى للديمقراطية

البلدية المدرسة الأولى للديمقراطية

قد يغفل الكثير منا عن عراقة النظام البلدي في تونس فجذوره ضاربة في القدم منذ آلاف السنين ، بعد تدمير قرطاج البونيَّة سنة 146 ق.م و إخضاع مجالها ، كونت روما ولاية سمتها “أفريكا” و أعتمدت على المدن لنشر حضارتها و تدعيم وجودها في كامل الإمبراطورية و ركزت نظام فريد في زمانه هو “مدن بلديات المواطنين” التي تتمتَّع بالقانون الروماني و تخضع لدستورها و تمتاز بحكم محلي و تسيير ذاتي و كانت سببا مباشرا للإزدهار الحضاري لأفريكا الرومانيّة .

مر زمن طويل على تجربة الأجيال الأولى و تعاقبت العديد من الحضارات على بلادنا لترى النور أول بلدية في تاريخنا المعاصر سنة 1858 ميلادي ”بلدية تونس الحاضرة ” بمرسوم موقع من محمد باي بن حسين في 30 أوت 1858.

صفحة خالدة في تاريخ العمل البلدي رغم نكسات دولة الإستقلال و ما مارسته من تكريس لمسار السلطة المركزيّة المشددة إعتمادا على توطيد مبدأ الدولة اليعقوبية الفرنسية في دستور 1959 ، و القائم على تقسيم جهويّ وإداريّ خاضع للمركز و للحسابات السياسيّة للحزب الواحد وضروريات ضمان ارتباط مختلف الجهات بالمركز السياسيّ أين تتم صناعة القرارات الحكومية والخيارات الاقتصادية والمخطّطات التنمويّة التي عجزت عن تحقيق التنمية العادلة و أدّت إلى تكريس سياسة التهميش والحرمان و حولت الجهات الداخلية إلى مناطق منفّرة.

جاء دستور 27 جانفي 2014 ليؤسس لسلطة محلية حقيقية من خلال تأصيل مبادئ اللامركزية و الديمقراطية المحلية فاتحا المجال لتركيز جماعات محلية تتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية، تديرها مجالس منتخبة والاعتراف لفائدتها بسلطة اتخاذ القرار في جملة من المجالات الضرورية لتصريف الشأن المحلي وتقديم الخدمات الأفضل للمواطنين والمواطنات في نطاق التشريع الوطني ضمانا لوحدة الدولة .

نترقب بفارغ الصبر لسنة أولى ديمقراطية في رحاب مدرسة عريقة بتاريخها تواقة لمحو هانات الماضي الإستبدادي و الجماعات المحلية مفرغة الصلاحيات ، تسعى لتكريس التسيير التشاركي و تدعيم درجة مساءلة السلطات المحلية و تتطلع أن تعيد للمواطن الثقة في السياسات العامة و العمل الحزبي و الإنخراط في الشأن العام .

إن بلدياتنا اليوم في حاجة لطاقات تسييرية جديدة و لكفاءات قادرة على أن تكون النواة الفاعلة و المساهمة في تجسيم مبادئ الباب السابع من الدستور و فصول مجلة الجماعات المحلية ، و مشاركة في تركيز الديمقراطية المحلية ذات البرامج الاجتماعية والتنموية والثقافية والتربوية المشركة لقوى المجتمع المدني في التسيير و إتخاذ القرار ،
إن حزبنا يؤسس لمشروع طموح قصد تأهيل قياداته و مناضليه و قدراته المؤسساتية للمشاركة في إنتخابات ماي 2018 و من خلالها في مسؤولية تدبير الشأن العام المحلي و يسعى أن يقارب المشاكل المتراكمة للبلديات وفق ما تمليه عليه إختياراته الوطنية و مرجعياته الفكرية والسياسية، باحثا عن حلول واقعية لمعالجة القضايا الكبرى ذات الصلة بالتنمية و متطلباتها الإقتصادية و الاجتماعية .

كما يحدونا أمل كبير من أجل أن تتحول حقوق الناخب من حقوق موسمية تبدأ مع كل استحقاق انتخابي وتنتهي بانتهائه الى حقوق دائمة ومستمرة ومباشرة تمارس بشكل يومي وعن قرب ، يشرّك فيها المواطن التونسي في رسم السياسات العامة و تحرك طاقته الكامنة من أجل بناء مجتمع أكثر عدالة و تماسك و تضامن.

إذا، رؤية التيار الديمقراطي تنطلق من طموح مناضلاته ومناضليه إلى المساهمة في معالجة نقائص العمل البلدي من خلال برنامج إنتخابي طموح يضع في الإعتبار خصوصية كل الجهات ، وكذلك في إبداع تصورات مواكبة للتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وفي الإنصات للمواطِنات والمواطنين من مختلف مواقع تواجدهم والتجاوب معهم، وفي التنشئة على قيم الحوكمة والشفافية والديمقراطية المحلية ، وتعزيز وتقوية القدرات المؤسساتية، وترسيخ منهجية التغيير السلس والمعقلن في ظل حكم محلي ضامن لشرعية الدولة التونسية، وفي تأهيل إطارات الحزب للمشاركة في تحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي والجهوي .

و سنساهم في تشريك المبادرات الشبابية في صلب خطط التنمية، إذ أنهم يشكلون قوة حيوية، وهم شركاء أساسيون في كل جوانب التنمية، وتعتبر طاقتهم وحماسهم ورؤيتهم أساسية لإحداث تغيير اجتماعي ايجابي وتأهيل قيادات فاعلة في العمل البلدي .

إن التسيير البلدي وفق اللامركزية و الديمقراطية المحلية ،هي نظام يعيد للمواطن الثقة في المؤسسات وهي كذلك عملية ترميم للديمقراطية التمثيلية، و فرصة للفاعلين السياسين للممارسة الحكم المحلي و سيكون “التيار الديمقراطي” في طليعة الأحزاب الجاهزة لمعركة البناء و التأسيس والعمل على قاعدة تقوية مشاركة السكان في النقاش العمومي و في اتخاذ القرار المحلي من أجل تنمية شاملة تتناسب مع احتياجاتهم وتطلعاتهم.

عصام الدين الراجحي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *