الأحد , 9 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / الانقلاب المزعوم والانقلاب الحقيقي

الانقلاب المزعوم والانقلاب الحقيقي

تتوالى الأخبار المثيرة للجدل حول مسألة الانقلابات في تونس، وهو وهم أصبح يعبث بالعديد من السياسيين الهواة منهم والمتسلّقين، فبعد اتهام وزير الداخلية السابق لطفي براهم بالإعداد لانقلاب إثر زيارته إلى المملكة العربية السعودية، ثمّ اتهام السيد الفرجاني القيادي بالنهضة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد بالإعداد للانقلاب والتخطيط لدكتاتورية جديدة قبيل التحوير الوزاري، وجّه يوم 21 نوفمبر 2018 الأمين العام لنداء تونس اتهاما مماثلا وتقدّم بشكاية إلى المحكمة العسكرية بتونس ضدّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد ومدير الديوان الرئاسي السابق سليم العزابي والناشط السياسي لزهر العكرمي ومستشار رئيس الحكومة مفدي المسدي ومدير عام الأمن الرئاسي رؤوف مرادع متهما إيّاهم إضافة إلى كل من سيكشف عنهم البحث بالإعداد للانقلاب على رئيس الجمهورية.
والثابت أنّ هذه الشكاية لم تكن لتقدّم إلاّ بعد التشاور مع رئيس الجمهورية وبموافقته، بل أنّ السيد الباجي قائد السبسي نفسه يعتزم تكليف مبروك كورشيد وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية المعفى من مهامه في إطار التحوير الوزاري الأخير نيابته للقيام بحقّه الشخصي في القضية التي كان قد رفعها أمين عام حزب حركة نداء تونس سليم الرياحي لدى المحكمة العسكرية. وعلى هذا النحو تكون القضية قد دخلت منحى جديدا بالتبني الضمني لمؤسسة رئاسة الجمهورية المعطيات المضمنة في شكاية الرياحي، بما يعني أنّ الأمر لم يعد يتعلق بتهم خطيرة وجّهها أمين عام النداء للخماسي المذكور أعلاه.
ويبدو أن الصراع بين أجنحة السلطة قد اتخذ منعرجات خطيرة غاب فيها صوت الحكمة والعقل ليعلو صوت المزايدات وحروب الكلامية ومعارك كسر العظام، بين الشيخين الباجي والغنوشي اللذان كانا حليفين بالأمس القريب من جهة، وبين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من جهة ثانية. ولئن كانت حرب الشيخين سياسية حول التموقع الحزبي لكليهما، فإنّ الحرب الثانية أخطر بكثير باعتبار أنها سقطت بالبلاد في بأزمة حكم غير مسبوقة بين رأسي الجهاز التّنفيذي.
وقد انطلقت في هذا الإطار حرب التصريحات والبيانات بين هذه الأطراف التي تشترك في مزاعم الانقلاب، خاصة بعد أن استقبل رئيس الجمهورية هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي، ذلك أنّ هذه الهيئة قد قدّمت تقريرا تضمن شبهة التخطيط لاغتيال رئيس الجمهورية التونسية ورئيس جمهورية فرنسا فرونسوا هولوند، حسب وثائق عثر عليها في الملفات التي تتمحور حول “الجهاز السرّي” الذي يشتبه في تكوينه من قبل حركة النهضة. وقد عبّرت هذه الحركة في بيان صادر عن رئيسها عن استغرابها “من نشر الصّفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية لاتهامات صادرة عن بعض الأطراف السياسية بنيّة الإساءة لطرف سياسيّ آخر عبر توجيه اتهامات كاذبة ومُختلقة والتّهجم على قيادات سياسية وطنيّة من قصر قرطاج في سابقة خطيرة تتعارض مع حياديّة المرفق الرسمي ودور الرئاسة الدستوري الذّي يمثّل رمز الوحدة الوطنية وهيبة الدولة”. والخطير في هذه المسألة هو محاولة النهضة تبرئة الرئيس الباجي الذي يعتزم تقديم شكوى فيها، وعملت على النأي به من إقحام مؤسسة الرئاسة بأساليب مُلتوية بنيّة ضرب استقلالية القضاء وإقحامه في التجاذبات السياسيّة من طرف “المُتاجرين” بدم الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وانساق قيادات الحركة بدورهم في كيل الاتهامات إلى الخصوم السياسيين وحتّى إلى موظّفين داخل القصر الرئاسي، حيث أكّد البحيري على “وجود أطراف في دوائر رئاسة الجمهورية تسعى الى تخريب عملية الانتقال الديمقراطي وضرب الاستقرار الحكومي”.
وقد أثارت هذه الاتهامات بالانقلاب على رئاسة الجمهورية والتخطيط للاغتيالات السياسية مخاوف جدّية لدى حركة النهضة باعتبار أنّ أصدقاء الأمس يضعونها تحت التهديد الدائم بتهمة التنظيم الإرهابي، تصنيف تسعى الحركة جاهدة للتخلّص منه، وهو ما زاد في حالة الارتباك لقياداتها وجعلهم يدخلون في هستيريا التصريحات الانفعالية والاستفزازية التي زادت في تعميق الأزمة السياسية. في نفس الوقت الذي بدا فيه رئيس الجمهورية مضطربا وغابت عنه الحكمة والرصانة في التعاطي مع هذه الأزمة السياسية، بل أنّه أصبح طرفا في الصراع ودخل بكل ما أوتي من قوّة في حرب كسر العظام متناسيا موقعه كرئيس للجمهورية والضامن لاستقرار البلاد وأمنها.
وإن كانت هذه الاتهامات من هذا الطرف أو ذاك تعبّر عن الأوهام التي في ذهن أصحابها للعودة بتونس إلى مربّع ما قبل 17 ديمسمبر / 14 جانفي، فإنّها تنمّ عن عقلية بائسة سواء لمجموعة من المتسلّقين وأدعياء العمل السياسي الذي جاؤوا بمحض الصدفة أو الذين ناضلوا طيلة سنوات لتحقيق مشروعهم السياسي الغريب عن التونسيين ونمط عيشهم. وكان الأسلم بالنسبة إلى من استفادوا من ثورة الحرية أن لا ينقلبوا على البرامج التي وعدوا بها التونسيين والابتعاد عن تسميم الأجواء السياسية والابتعاد عن التعفّن السياسي الموروث عن حقبة الاستبداد وكيل الاتهامات خدمة لأجندات سياسويّة ضيّقة تتعارض مع المصلحة الوطنية للبلاد، والتخلّص من منطق الانقلابات الذي لن يسهم إلاّ في إرباك المسار الديمقراطي وتعطيل مسار الاستحقاق الانتخابي. والرسالة التي نوجّهها لهؤلاء أنّ زمن الانقلابات الناعمة منها والعسكرية قد ولّى وانتهى، ولن يسمح الشعب التونسي الذي ثار على نظام الانقلاب النوفمبري بانقلاب ثان مهما كان مأتاه، ونؤكّد للجميع أنّ الانقلابات ليست إلاّ أوهاما يريد من خلالها المنظرين لها إشاعة حالة خوف ولتيئييس التونسيين من العمل السياسي.
أمّا الانقلاب الحقيقي هو ما قام به هؤلاء المتسلّقين والإنتهازيين واللقطاء السياسيين من انقلاب على مبادئ ثورة وشعاراتها الراقية والأهداف التي من أجلها خرج التونسيون للشارع وإجبار المخلوع على الفرار. والخيانة الحقيقية هي خيانة دماء الشهداء ومن ضحّى بنفسه من أجل غد أفضل لشباب تونس والمعطلين عن العمل فيها من أجل الشغل والحرية والكرامة الوطنية.
رضا الزغمي.

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *