الأحد , 8 ديسمبر 2019
الرئيسية / الإقتصاد / الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين القانوني والسياسي

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين القانوني والسياسي

 

يمثل هذا المقال تلخيصاً لمداخلتي التي قدمتها يوم 30 نوفمبر2019 بمنتدى الاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي نظمته منظمة أنترنشيانول ألرت و كانت بعنوان: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين القانوني والسياسي


الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس

 

يطرح عنوان الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس في إرتباط بصراع تاريخي على السلطة والاقتصاد والتمثلية السياسية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية وهو ما أثارته الثورة حول التفاوت الاقتصادي الاجتماعي والجغرافي اي اللامساوة المكانية الاجتماعية. فمنذ الانفجار الثوري انكشف الانفصال في السلطة والثروة بين الدولة والمناطق المهمشة والتي تشمل الجهات الداخلية والأحياء الشعبية بالمدن. وهيمنة رأس المال الذي سمي رأسمالا وطنيا وهو ليس برأسمال وطني لانه يقصي المناطق المهمشة ويمارس هيمنة داخلية عليها إضافة لتمدد رأس المال الأجنبي وارتباطات الرأسمال الوطني بهذا الاخير.

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس يجد جذوره في تجربة محمد علي الحامي التعاونية في العشرينات إذ أسس تعاونية استهلاكية ولقي منافسة من قبل أعيان العاصمة لافشال تجربته. وللاقتصاد الاجتماعي والتضامني صيغ وعناوين أخرى تحافظ على القيم الاجتماعية والتضامنية في تجارب الاقتصاد الشعبي في أفريقيا وامريكا الجنوبية.

في تونس يعود الفضل يعود لتجربة جمعية حماية واحات جمنة في استرجاع الأرض واستغلالها بشكل جماعي حتى دخل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مجال التداول الإعلامي والسياسي وذلك منذ أكتوبر 2016 عندما سعى آنذاك مبروك كورشيد كاتب الدولة لاملاك الدولة والشؤون العقارية لتعطيل لمحاصرة تجربة جمعية حماية واحات جمنة من خلال تجميد أرصدة الجمعية والتاجر الذي اشترى صابة موسم 2016 وقد لقيت تجربة جمنة تضامنا ومساندة كبيرة منذ ذلك الوقت.

 

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: إشكالية المفهوم والتوظيف

 

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يطرح في إطار مواجهة مسلمة لا وجود لبديل آخر خارج منطق الربح الخاص وسطوة الشركات والمستثمرين الخواص أو منطق القطاع العام البيرواقراطي الذي يحافظ على امتيازات تاريخية تشكلت عبر مسار سياسي سلطوي منذ تشكل دولة مابعد الاستعمار.

التركيز على مسائل الحياة اليومية أي تأثير السياسات على حياة الناس، كالشغل التنمية المحلية. لكن هذا كله يصطدم برفض الدولة وممانعتها وإنحيازها لرأس المال الخاص المحلي والاجنبي على حساب أغلبية الشعب خاصة أمام مع إرتباط السياسات العمومية بتوصيات مؤسسات التمويل الدولي.

يشمل الاقتصاد الاجتماعي التضامني التعاونيات، التسيير الذاتي التشتاركي، الملكية العامة الخاضعة للرقابة الشعبية، ويقوم على جملة من المبادئ كالديمقراطية الاقتصادية، تشاركية إتخاذ القرار، الانتفاع الجماعي بأن يكون الربح للمجموعة وليس للافراد او للشركات، إستدامة الموارد الطبيعية، والاستقلالية.

اليوم جزء من ما يصنف نفسه كاقتصاد اجتماعي وتضامني يأتي في إطار استيعاب العولمة الرأسمالية لكل الجهود البديلة خاصة مع وجود عدة مؤسسات مرتبطة بأجندا العولمة النيوليبرالية ومنها المؤسسات الناشطة في دعم وتمويل واقراض المشاريع الصغرى والتي ترفع اللافتة الاجتماعية التضامنية وهي ليست اجتماعية وليست تضامنية وبعضها خاصة مؤسسات التمويل المالي الصغير مؤسسات ربحية ومتهربة ضريبيا وبحماية قانونية.

 

مشروع قانون الاقتصاد الاجتماعي التضامني

 

بالنسبة لمشروع قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بداية بالمشروع الذي طرحه الاتحاد العام التونسي للشغل فأنه رغم ان وثيقة شرح الاسباب المرافقة لمشروع اتحاد الشغل تقدم نقدا لتغول الجهاز البيروقراطي في تجربة الستينات التنموية القائمة على النظام التعاضدي التي مثلت برنامج الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تمت صياغته في الخمسينات. فإنه ومن خلال التركيبة الثلاثية والهيكلة المركزية التي اقترحها مشروع القانون فإنه يحمل إمكانات إعادة إنتاج لشكل تنظيمي وجهاز بيروقراطي ومركزي اخر. كما أن في اعتماده لتوزيع فوائض الأرباح لا يستجيب لضرورة لأهمية الاستفادة منها في انشطة التنمية المحلية والجهوية. وهو ما يخالف مبادئ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

أما المشروع الحكومي الذي يمثل نسخة كارثية ومشوهة لمشروع الاتحاد إذ تمادى في تصور هيكلة أكثر مركزية خاصة من خلال إشراف وزارة مكلفة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع انه من المفترض أن هناك وزارة ووزير يباشر عمله منذ مدة لكنه لا يقوم بأي عمل ولا نعلم عنه أي شيء. إضافة لتخلي المشروع الحكومي في نسختيه عن الذراع المالي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني اي البنك التعاوني الذي أقره مشروع الاتحاد. التدخل الإداري يتجاوز ذلك لانتصاب الوزارة المكلفة في دور منح العلامة التمييزية (علامة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني) بقرار من الوزير المكلف في المشروع الحكومي.

المبادرة الحكومية تنطلق من محاولة للتأطير القانوني لجعل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني خاضعا للإشراف المباشر دون أي استقلالية كما تسعى لادماجه ضمن مقاربتها لدعم المبادرة الخاصة حسب ما قدمته وثيقة شرح الأسباب المرافقة للمشروع الحكومي الأول. إذ يُقدم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بإعتباره مخرجا للازمة الاقتصادية وحلاًّ لتراجع الدولة عن دورها الاجتماعي ولضعف القطاع الخاص وعدم قدرته على تحقيق تطور فارق في توفير مواطن شغل والنمو الاقتصادي.

المشترك بين مشروع اتحاد الشغل والمشروع الحكومي الأول والثاني أنهما تم انجازهما من قبل الخبراء بمعزل عن الفاعلين الحقيقين سواء صغار الفلاحين او المنتجين وسائر الفئات المهمشة في عملية إنتاج الثروة والقرار.

 

 

مشروع قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: أي آفاق أخرى

 

يبقى انه وفي ظل التوازنات السياسية الحالية من المهم ان كان لابد من التمسك بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني فلا بد التمسك بمبادئه التي تشمل الإستقلاليته والديمقراطية الاقتصادية والعدالة في المشاركة واتخاذ القرار والانتفاع الجماعي والتضامن الغير خاضع للممولين العابرين للقارات واستدامة الموارد الطبيعية. وليس القبول بجعل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني منقذا لفشل الخيارات السياسية المتّبعة منذ ماقبل الثورة. وليست الحالة الممكنة الوحيدة التمسك بالمبادرة التشريعية الحكومية الكارثية، يذكر ان اتحاد الشغل هو الذي اختار آنذاك ان يكون القانون في شكل مبادرة حكومية في الفترة التي كانت علاقة الاتحاد بالحكومة جيدة. أما الآن بالممكن الدفع نحو مبادرة تشريعية نيابية او مبادرة تشريعية لرئاسة الجمهورية لنختبر مدى وجود ارادة سياسية جديدة ومختلفة لدى النواب ورئيس الجمهورية عن المبادرة الحكومية الحالية التي أفضت عن صياغة قانونية كارثية وتحوير وصل لافراغ مشروع الاتحاد من مضمونه الذي حمل منذ البداية عدة اشكاليات عميقة توضحت تباعا. فالمعركة منذ البداية معركة سياسية وليس معركة صياغة قانونية.

علي كنيس

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *