الأربعاء , 19 يونيو 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / الإنتخابات أو موسم الحج إلى فرنسا

الإنتخابات أو موسم الحج إلى فرنسا

 

كانت علاقة أروبا بالضفة الأخرى للمتوسط محكومة دائما بالصراع، صراع محموم ترجمته الحروب البونية الثلاث بين قرطاج و روما مرورا بالصراع الإسباني العثماني على ضم تونس إلى إحدى الإمبراطوريتين وصولا إلى الإستعمار الفرنسي و الذي تحول من غزو عسكري مباشر إلى سيطرة عن بعد تتماشى و موجة الإستعمار الجديدة التي يقودها العالم الغربي تجاه بلدان “العالم الثالث”.

ليس الإستعمار بالضرورة إنتقالا للجيوش و تحركا للآليات العسكرية للسيطرة على أرض أجنبية، و ليس عملية يسبقها إنذار، لم تعد المدن تحتمي وراء أسوارها و أبراجها لتأمن عدوا رابضا بالجوار و لم تعد الجيوش تطلق نفيرها لزرع الرعب في قلوب الآمنين ، كل شيء يحدث الآن في هدوء، هدوء تام.

حفاظا على الدجاجة التي تبيض ذهبا، بادرت فرنسا إلى زرع أجهزة تنصتها في هياكل الدولة التونسية التي سارت بخطى متعثرة غداة الإستقلال كما حرصت على الإبقاء على عقود مذلة للطرف التونسي تسمح بنقل الثروات لقاء مقابل زهيد لا يكفل لأبناء الخضراء عيشا كريما و لا تنمية، إن المشروع الإستعماري الجديد قائم بالأساس على مرتكزات ثلاث:

1_الحفاظ على منوال تنموي هش لهذه البلدان لا يجعلها تتحول إلى قوة تشكل تهديدا للمشروع الإستعماري فالقيود هي الأهم في هذه العملية.

2_التحكم في دواليب الحكم، دعم الأصدقاء و معاقبة الأعداء (أصحاب كل مشروع وطني) الشيء الذي يفسر الحضور الغريب للسفير الفرنسي بتونس و الزيارات الكثيرة التي يقوم بها الراغبون في الوصول للسلطة من المنبطحين إلى عاصمة الأنوار، و هي طبعا ليست زيارات لطلب العلم بل هي مواسم شبيهة بالطقوس، طقوس تقديم فروض الولاء و الطاعة و إراقة ماء الوجه من أجل سدة الحكم.

3_هذه النقطة مهمة جدا في عملية الإستعمار الجديد لأنها تمس واقع التربية و الثقافة و الوعي للشعوب المغرر بها فأكثر ما تخشاه فرنسا هو ظهور أجيال واعية متشبعة بثقافة متحررة و مستعدة للجوع لكسب معركة الوطن.

إن العناصر التي أتينا على ذكرها لا تتحقق إلا بطبقة من العملاء ضميرهم صفر و ذمتهم كلا شيء مستعدون للبيع لقاء المنصب و الحفاظ على المكاسب، هؤلاء يتخلون شيئا فشيئا عن شرعية أتتهم من الداخل (شرعية الصندوق و الجماهير) ليعوضوها بشرعية تتأتى من الخارج تجعلهم شيئا فشيئا منفصلين عن شعوبهم و يتعلق مصيرهم بمدى رضا العامل الخارجي عنهم، هؤلاء أجراء لدى مصاصي الدماء تقطر مشاريعهم عمالة و خسة.

معركة التحرير الحقيقية إنطلقت بعد، و المسيرة مستمرة نحو إستقلال حقيقي لا يتحقق إلا بخيارات وطنية يصنعها جيل سياسي مختلف، جيل من طين هذه الأرض أما المشاريع المحمولة جوا إلى قرطاج فستندثر و تمحي مع تنامي الوعي و تعاظم حجم الطبقة المفقرة فإذا بالقيود التي وضعوها في أعناق الشعب تنقلب أغلالا تسوق الخونة إلى مكانهم الطبيعي.

محمد علي الشامخي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *