الجمعة , 5 مارس 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / قراءات / الإحتجاجات في تونس، والقائلون بأن “لا ثورة على الديمقراطية”؟!

الإحتجاجات في تونس، والقائلون بأن “لا ثورة على الديمقراطية”؟!

بعد الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها بلادنا، الليلية منها والنهارية، خرج علينا بعض المحللين بمقولة أو فتوى عدم جواز الثورة على الديمقراطية.

للخوض في هذا القول ومناقشة هذه الفتوى نطرح سؤالا أولا: هل ما نعيشه فعلا ديمقراطية في أبهى تجلياتها؟ ما نلاحظه اليوم أن الديمقراطية عند البعض تساوي انتخاباتٍ فقط، مراكز اقتراع وصفوف الناخبين أمامها ولا يهم إن كانت نسبة الإقبال مخجلة أم لا وذلك لأن الأهم عندهم وصولهم لكرسي السلطة. في حين أن “الديموس كراتوس” هي حزمة كاملة: انتخاب مال السياسي، قضاء مستقل، اعلام نزيه وحر، مجتمع مدني قوي ويراقب، وعي عام منتشر لدى جموع المواطنين.

لمن يفتي بعدم جواز الثورة على الديمقراطية: هل اطلع على تقرير دائرة المحاسبات وما رصدته من إخلالات في العملية الانتخابية بما يجعل المسار بأكمله محلا للشك؟؟ هل فعلا نتائج الانتخابات كانت تعبيرا عن الإرادة الحرة للشعب؟ أم أنها انعكاس لقوة المال الفاسد؟

تصريح لزهر العكرمي، الوزير السابق حول تلقي حزبه لأموال خليجية قدرت ب 40 مليون دينار سنة 2014 لمجابهة مصاريف الحملة الانتخابية دليل على أن المشهد متعفن أكثر مما نتصور. لكن الأكيد ان نداء تونس ليس وحده من تتدفق عليه الأموال، لذلك فتح ملف تمويل الأحزاب أصبح ضرورة ملحة اليوم، حماية للمسار وصونا للحياة السياسية.

هل يستقيم الحديث عن ديمقراطية وإلى الآن لم تستكمل الهيئات الدستورية، هيئة الاتصال السمعي البصري، المحكمة الدستورية وخاصة هذه الأخيرة لمكانتها في اي نظام ديمقراطي، ففي غيابها ستتواصل المعارك والصراعات. الديمقراطية من معانيها كذلك تحمل الاحزاب الفائزة لمسؤولياتها وتقديم تصوراتها ويرامجها في حكومة سياسية حتى يجازيها الشعب ان احسنت ويعاقبها إن فشلت. لكن نرى اليوم هروبا من المسؤولية وسعيا للحكم بقفازات أو من وراء حجاب لتعويم الفشل ولتجنب مواجهة الشعب نظرا لغياب المشروع والرؤية لدى الحاكمين. الحوار الوطني الذي يبشر به البعض هو كذلك إلتفاف على الديمقراطية فلماذا يقبل به الحاكمون ويهلل له محللوهم وأقلامهم؟ القبول بالحوار الوطني هو اعتراف ضمني بالفشل في ادارة المرحلة، بما يعنيه ذلك من غياب أي مؤشر إيجابي يجعل المواطن يحلم بغد أفضل. وفي غياب الحلم وفقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها وفي الحوار الوطني ومخرجاته بناءً على حوار وطني سابق لم تتغير معه الاوضاع ولم يحقق تنمية، يصبح الخروج الى الشارع للاحتجاج والتنديد “فريضة شرعية”.

هل ما نعيشه اليوم ديمقراطية! والأصوات تباع وتشترى بمال سياسي فاسد والمؤسسات الاعلامية والجمعيات الخيرية تتلاعب بالمشاعر الدينية وتغذي الصراعات الهووية وتساهم في نشر الشعبوية.

السؤال الثاني هل فعلا لا تجوز الثورة على الديمقراطية؟

الثورة غير مرتبطة بشخص من يحكم وكيفية وصوله للسلطة، بل بنتائج ذلك على جيب المواطن ومستوى عيشه. الشعوب لا تبحث عن الديمقراطية في ذاتها بل لقدرة هذه الاخيرة على تحقيق التنمية والرفاه ومتى فشلت في ذلك تفقد بريقها وجاذبيتها وقدسيتها وتصبح هي والاستبداد سواء، لان الجوع هو الجوع زمن الديمقراطية او زمن الديكتاتورية.

عندما خرج أصحاب السترات الصفراء في فرنسا لم نسمع من يقول لا ثورة على الديمقراطية. عندما كانت هناك احتجاجات في امريكا وإنجلترا لم نسمع محللين موالين يرددون ما قاله من هم عندنا. ما حصل في الكيان الصهيوني من احتجاجات وأعمال شغب قام بها الفلاشا رحبنا به رغم ما يعيشه الكيان من ديمقراطية. أحداث الكامور ألم تكن ثورة بما حملته من شعارات ومطالب، ونجح الشباب في نيل اعتراف من الحكومة وامضاء اتفاق معها.

تحرك الشعوب ونزولها للشارع يجعل السلطة تراجع نفسها وخياراتها، تتبين أرقامها وما حققته، لتحاجج شعوبها وتسحب البساط من تحت من يريدون بث الفتنة والفوضى بأن تقول هذا ما قدمناه لك يا مواطن في طعامك، لباسك، صحتك ، حقك في التعليم، حقك في نقل آمن. لان هذا الخطاب الواجب تقديمه لا القول نحن جئنا بالصندوق فاصمتوا حتى ولو رأيتمونا نبيع البلد.المدافعون عن الحكومة بشيطنتهم للاحتجاجات والمحتجين نذكرهم بقول أبي ذر الغفاري: “أعجب لمن بات جائعا ولم يخرج شاهرا سيفه على الناس”، كذلك ما دار بين الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وواليه على مصر عمرو بن العاص عندما قال له “ما تصنع ان جاؤوك بسارق يا عمر، قال أقطع يده، فقال له عمر وإن جاءني جائع قطعت يدك.”

الثورة على عثمان ابن عفان هي ثورة اجتماعية في الأساس رفضا لسيطرة الأمويين على مفاصل الدولة وتجمع المال بأيديهم وفي حوزتهم، وهو نفس ما نراه اليوم من سيطرة عائلات بعينها على الاقتصاد بل على الدولة بأكملها، حتى انها تدار لحسابهم وكل حكومة تأتي تحاول تأبيد مصالحهم وحمايتها لنيل الرضا والدعم. وهذا أكده ممثل الاتحاد الاوروبي في بلادنا في تصريحه لصحيفة لوموند الذي تحدث فيه عن سيطرة 50عاىلة على الاقتصاد التونسي.

الجوع والفقر في ظل مناخ تنعدم فيه الثقة ويغيب فيه الأمل ينفد معهما الصبر لدى الشعوب وتفقد ذلك الرابط المعنوي مع الدولة ويفسخ العقد الاجتماعي المبرم معها لعدم الوفاء بالالتزامات من طرفها، فغياب العدل مؤذن بالخراب وأول العنف جوع.

بقلم توفيق رمضان

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *