الأربعاء , 15 أغسطس 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / الأدوية المفقودة : أزمة حقيقية أم مفتعلة

الأدوية المفقودة : أزمة حقيقية أم مفتعلة

تعتبر المنظومة التونسية في التصرف في الأدوية منظومة متكاملة تتداخل فيها عديد الوزارات كوزارة الصحة ووزارة الصناعة و االتجارة وعديد المؤسسات كإدارة الصيدلة والدواء والصيدلية المركزية للبلاد التونسية والمخبر الوطني لمراقبة الأدوية.

وإذا كان الدور الأساسي لإدارة الصيدلة والدواء الوحدة الإدارية التقنية التابعة لوزارة الصحة هو تنظيم عمل و إنتصاب الصيدليات في القطاع الخاص و منح تراخيص تسويق الدواء في السوق التونسي بالتنسيق مع المخبر الوطني لمراقبة الأدوية؛ فإن الصيدلية المركزية كانت ولاتزال الهيكل المركزي والأهم في تخزين وتوزيع الأدوية في القطاعين الخاص والعام.

ففي القطاع الخاص كان للصيدلية المكزية دور مهم لضمان تزويد الصيدليات الخاصة بالأدوية المصنعة محليا والمستوردة وذلك عبر وضع مخزون إستراتيجي يعادل 3 أشهر من معدل الإستهلاك الشهري لكل دواء يباع في تونس. وكانت الصيدلية المركزية الهيكل المنظم لتوزيع هذه الأدوية على الموزعين وعددهم 50 تقريبا ليتكفلوا بدورهم بإيصال الدواء لاكثر من 2000 صيدلية تغطي كامل الجمهورية ليلا نهارا بالتناوب.

وفي السنوات الأخيرة فقدت الصيدلية المركزية تدريجيا المونوبول في القطاع الخاص بعد أن توجه أغلب المصنعين المحليين والذي يبلغ عددهم 40 تقريبا ويغطون أكثر من 50% من إحتياجات الجمهورية من الأدوية للبيع مباشرة لموزعي الأدوية مما أفقد الصيدلية المركزية دورها التعديلي. لكنها حافظت على هذا المونوبول في الأدوية المستوردة كمورد وحيد للأدوية في القطاعين العام والخاص.
أما في القطاع العام فإن الصيدلية المركزية تؤمن سنويا كل إحتياجات المستشفيات العمومية من الأدوية وذلك عبر شراءات سنوية (طلب عروض دولي سنوي) يشارك فيه المصنعين المحليين ومن الخارج وتعطى فيه الأولوية للمصنعين المحليين.

ويكون طلب العروض هذا مدروسا لكي يغطي الإحتياجات السنوية للمستشفيات من أدوية القطاع العمومي مع إمكانية تفعيل طلب عروض إستثنائية في بعض الحالات الاستثنائية لمواجهة طارئ صحي أو نفاد مبكر لكميات الأدوية٠

وكل المتداخلين في ميدان الصحة والصناعات الدوائية يعلمون أن إنقطاعات الأدوية ظاهرة موجودة دائما وهي مرتبطة بإرتفاع الطلب على بعض الأصناف أو بتأخير تسليم الأدوية من المصانع للصيدلية المركزية خاصة في الأدوية المستوردة.

والجميع يعلم أن الحلول تكون دائما موجودة لأن الكميات المخزنة عند الصيدلية المركزية أو موزعي الأدوية وعددهم أكثر من 50 أو الصيدليات تكون كافية لتغطية الإنقطاع المؤقت. وفي وحال نفاد مخزون أي دواء في مسالك التوزيع هذه يكون هناك عادة أكثر من بديل لهذا الصنف بنفسة التركيبة الكيميائية وبنفس الفاعلية وهي التي نسميها أدوية جنيسة.

في السنوات الأخيرة عانت الصيدلية المركزية من تراكمات عجز مالي كبير وصل لحدود 800 مليون دينار أسبابه عديدة ومتشعبة أهمها ديونها المتراكمة عند الكنام والمستشفيات العمومية (العاجزة عن خلاص الصيدلية المركزية) مما أثر على السيولة لديها وجعلها عاجزة عن خلاص كثير من المزودين الاجانب والذين بدورهم توقفوا عن تزويدنا بالأدوية.

وكان الحل الممكن في هذه الظروف في شراء الادوية الضرورية بكميات صغيرة وبطريقة مسترسلة تقطع مع سياسة تخزين كميات كبيرة من الدواء في مخازن الصيدلية المركزية مما زاد في تكرار الإنقطاعات في بعض الأصناف.

القائمة المتداولة بالفايسبوك للادوية المفقودة ليست قائمة ثابتة ونهائية ولكنها تتغير كل اليوم بحيث كل يوم هناك ادوية ترد علي الصيدلية المركزية وكل يوم يتوفر دواء لينقطع آخر ويمكن الاطلاع على الادوية التي تدخل يوميا على الموقع الرسمي للصيدلية المركزية.
البحث في الصيدليات يمكن أن يكون الحل لأن عديد الصيادلة يلجؤون إلى تخزين كمية كبيرة من الدواء إذا علموا أن الدواء مطلوب ويمكن أن ينقطع. وبما أن كثيرا من الصيدليات لا تشتغل بتلك الطريقة فان الدواء المعني سيفقد حتما عند بعض الصيدليات دون اخرى.
كل هذا يمكن أن نتفهمه في ظرف إقتصادي استثنائي ومع بعض الأصناف المستوردة ولفترة محدودة، لكن ما يبعث على القلق الآن ويطرح نقاط إستفهام عديدة هو دوام الحال وتفاقم الأزمة وإتساع قائمة الأدوية المفقودة لتصل حتى الأصناف المصنعة محليا ولبعض الأصناف الحياتية التي ليس لها بدائل أحيانا.
ماذا يحدث في الصيدلية المركزية ؟ هل هي أزمة ظرفية أملاها الظرف الإقتصادي الصعب ام هو مؤشر على إهتراء المنظومة وفشلها ولزوم مراجعتها؟
هل هي أزمة حقيقية ظرفية أم هي حرب مصالح ولوبيات مفتعلة لغايات ما ؟
هل هي أزمة داخل الصيدلية ألمركزية ام هي نتائج لملفات فساد حارقة في المنظومة الصحية مثل :
– التهريب : حيث تشير الإحصائيات إلى إرتفاع نسبة استهلاك الأدوية في الولايات الحدودية بـ30 بالمائة، بما يؤشر على وجود تهريب بما يفوق 400 مليون دينار.
– إفلاس الصناديق الإجتماعية بسبب سوء التصرف والثغرات الموجودة في منظومة التعويض والتغطية و إسترجاع المصاريف.
-سوء التصرف في المستشفيات العمومية والتلاعب بتوزيع الدواء في المستشفيات العمومية.

وفي الختام ندعو وزارة الصحة إلى :

– تحمل مسؤولياتها وإتخاذ التدابير الاستعجالية لتوفير الأدوية الحياتية التي ليس لها بدائل.
– تطبيق سياسة تواصلية شفافة تطمئن المرضى وتوجهم نحو البدائل الموجودة في السوق و تعطي تواريخ دقيقة لرجوع الأدوية المفقودة.
– تعزيز المراقبة على مسالك توزيع الأدوية وتفكيك ولوبيات التهريب.
– مراجعة قوانين منح رخص التسويق التي تتطلب من سنتين إلى ثلاثة سنوات من الإنتظار والتمحيص وتبسيط مراحلها.
– إعطاء أكثر حوافز لدعم الصناعة الدوائية الوطنية و توجيهها نحو الأصناف التي نستوردها بالعملة الصعبة.
-التعجيل بفتح ملفات الفساد في ميدان الصحة والتي لم تعد تحتمل التأخير.

نزار بلحاج جراد

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *