الإثنين , 17 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / إنقاذ منظومة الصناديق الاجتماعية مسؤولية وطنية مشتركة

إنقاذ منظومة الصناديق الاجتماعية مسؤولية وطنية مشتركة

إن المتابع للوضعية المالية لصناديق المنظومة الإجتماعية في تونس قد لا يستوعب أن الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية وهو يقفل أبواب مصالحه كان يسجل يوميا عجزا بمليون دينار ، عجز يتفاقم بشكل لا يهدأ مما أجبر القائمين على شؤونه ابتكار حلول ترقيعية ترتكز أساسا على الدعم الممنوح من قبل الدولة .

يعتبر تفاقم العجز المالي الذي تمرّ به الصناديق الاجتماعية الثلاثة في تونس من الملفات الحارقة التي عجزت أمامها كل الحكومات،فلا يُعدّ الحديث عن الأزمة بجديد فقد كان من المفترض الانطلاق في إصلاح الصناديق الاجتماعية منذ سنوات 2000 إلا أن السلطة القائمة لم تًفعل البدأ في الإنقاذ رغم تنبئها بمصير هذه الصناديق فلم تكن لها جرأة للمضي في الإصلاحات وقد أفضت هذه الوضعية الى تآكل الاحتياطيات المالية لصندوقي الضمان الاجتماعي وبروز ضغوطات حادة على مستوى حاجيات الصناديق من السيولة وتخلف الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عن دفع المستحقات الراجعة للصندوق الوطني للتامين على المرض بعنوان الاشتراكات وتوابعها.

هذه الوضعية أثرت على قدرة الصندوق الوطني للتأمين على المرض على خلاص المستشفيات العمومية والصيدلية المركزية ومسدي الخدمات الصحية في الآجال المحددة وتراكم حجم التعهدات غير الخالصة للصندوق المذكور لتصل الى مستويات غير مسبوقة.
احصائيات رسمية تكشف وضعا متأزما و وضعية حرجة و صعبة دفعت إلى إلزام ميزانية الدولة هذه الأيام بدعم صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية بقيمة تتراوح بين 65 و85 مليون دينار شهريا وذلك لتكريس التزامها و تعهداتها تجاه المتقاعدين.

لم تعد مناقشة هذا الموضوع من المحرمات كما درج سابقا فقد أجمع جل المهتمين بأزمة الصناديق و منهم القائمين على إدارتها على انها ناتجة عن سوء التسيير و التصرف في أصوله لعقود و غياب الحوكمة و الشفافية في التعاطي مع أموال الصناديق هذا دون إغفال هندسة بنائه القائمة على النظام التوزيعي وتضخم بيروقراطية جهاز الدولة و عدم إلتزام المؤسسات العمومية و الدواوين و الأعراف بدفع مساهمتها ، ناهيك عن التحولات الديموغرافية و الأسباب التنموية كتحسّن معدل الحياة وشيخوخة السكان والتهرّم وتأخر الاندماج في سوق الشغل والتي عمقت العجز الهيكلي و أظهرت التداعيات السلبية للأنظمة الخصوصية و التنفيل الى غير ذلك من الأسباب.

وتشير دراسات إلى أن عجز الصناديق كان متوقعا منذ سنة 1985 لكن الحكومات المتتالية لم تواجه الصعوبات بجدية مما أدى الى انخرام الوضعية، ورغم بعض الإجراءات التي انطلقت سنة 1995 من خلال رفع نسب المساهمات وإعادة النظر في شروط التقاعد المبكر وإتاحة الترفيع في سنّ التقاعد لأسباب شخصية من 50 الى 55 بعد قضاء 30 سنة عمل، ظلّت هذه الاجراءات محدودة وتقتصر فقط على تضخيم موارد الصناديق لمدة قصيرة دون التوصل الى حلول جذرية تضمن ديمومة نظم الضمان الاجتماعي ، فهذا العجز لا يمكن إيقافه الا بالقيام بإصلاحات جذرية و دونها يمكن ان يصل الى ستة آلاف مليون دينار سنة 2030، أي ما يعادل 2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.
ما يلفت الإنتباه خلال هذه الأزمة الاختلاف العميق في التشخيص مع الأطراف الاجتماعية و إنعكاساته على الحلول المقترحة من طرف الحكومة خصوصا في غياب كامل لفاعلية الطبقة السياسية و لمساهمتها في الموضوع ، في وقت كان يجدر بالجميع أن يتوحد من أجل إقرار حلول تكون في اطار مقاربة شاملة و تستوجب حزمة متكاملة من الإجراءات الضرورية وحتى السريعة انقاذا لهذه المنظومة قبل ان تقع على رؤوس الجميع.

وفي الحقيقة، لا يُعدّ مقترح الحكومة الحالية الرفع في سن التقاعد من بين الحلول المستجدة و المبتكرة ،حيث اقترحت الدراسة التي أعدها مكتب العمل الدولي لإصلاح أنظمة التقاعد في تونس سنة 2010 التمديد في سن التقاعد على مرحلتين إلى 62 سنة في المرحلة الأولى التي ينطلق تطبيقها بداية من 2011 و65 سنة ينطلق تطبيقها في 2016 .

و كانت الحكومة التونسية قدمت لمجلس نواب الشعب منذ أسابيع مشروع تنقيح وإتمام القانون عدد 12 لسنة 1985 المتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد وللباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي عبر تغير سن التقاعد و تغيير نسب الاشتراكات و التعديل الآلي للجرايات استنادا إلى نسبة النمو ونسبة الزيادة في الأجور في القطاع العمومي ونسبة التضخم، وتم تضمين تسليط خطايا تأخير على المنشآت والمؤسسات العمومية التي تخل بواجب دفع المساهمات في الآجال ، لكن في المقابل لم يقع التوافق مع الأطراف الإجتماعية على الأجر المرجعي والتنفيل والمردودية.

إجراءات تقر دوائر القرار في القصبة أن إنعكاسها المالي لن يغطي عجز الصناديق الاجتماعية وفي صورة تطبيقها بداية من غرة جانفي القادم فإنها والى غاية سنة 2030 ستغطي العجز بنسبة 44 فاصل 2 بالمائة و إن تم الاتفاق مع الأطراف الاجتماعية على تخفيض الأجر المرجعي فان المردود على الصناديق سيكون أحسن و إن كان على حساب القدرة الشرائية للمتقاعد.

يبدو و أن البحث عن مصادر أخرى لتمويل الصناديق الإجتماعية لم يعد خيارا بل أصبح ضرورة بالرغم من تعدد أنواع الضرائب الجبائية و شبه الجبائية و ارتفاع نسبها و حاجة ميزانية الدولة لها بما يستوجب التفكير في مصادر أخرى للتمويل التي وإن تنعكس سلبا على المواطنين فهي تبقى بدرجة أخف من الانعكاس المنجز عن الترفيع المتواصل في مساهمات الضمان الاجتماعي و هو ما ذهب إليه طيف واسع من الخبراء و أهل الإختصاص أو نُقل عن التجارب المقارنة من ذلك مثلا الترفيع في نسب بعض الضرائب الجبائية و غير الجبائية كالترفيع في معاليم الجولان والتلوث واستهلاك السجائر والمشروبات الكحولية ( ويمكن حصرها في الأنواع الفاخرة) وبطاقات شحن الهاتف الجوال ويمكن تبرير هذا الإجراء بالتكاليف العلاجية التي يتحملها الصندوق الوطني للتامين على المرض من جراء حوادث الطرقات والأمراض.

كما يمكن فرض ضريبة القيمة المضافة الاجتماعيةTVA Sociale على السلع الاستهلاكية الموردة و ما أكثرها اليوم في تونس كما فعلت ذلك ألمانيا و السويد و إمكانية فرض ضرائب على البنوك و هي أكثر القطاعات ربحية في البلاد – في غياب إضطلاعها بدورها الوطني في تمويل الإقتصاد – و هو ما ذهبت إليه الحكومة الإسبانية بفرض ضرائب على البنوك لتمويل جرايات التقاعد بسبب عجز قاس في الصناديق الاجتماعية الإسبانية.

إن الحاجة اليوم إلى إرساء مقاربة شاملة تتعلق بقيادة الإصلاحات وتعزيز الحوكمة الرشيدة والممارسات الجيدة تفرض على الحكومة من خلال مؤسساتها أن تتحمل نفقات الإعفاءات من دفع المساهمات الاجتماعية للنهوض بتشغيل بعض الفئات الخاصة كالمعوقين و المعطلين عن العمل من المتحصلين على شهائد وكذلك في إطار التشجيع على الاستثمار و أن تستعجل تكثيف المراقبة على الانخراط و تسجيل العملة في القطاع الخاص التي تعتبر مساهماتهم أساس نظام الضمان الإجتماعي و التوسع في التغطية الاجتماعية وخاصة ادماج القطاع غير المهيكل و الموازي في الدورة الاقتصادية وهو ما يزيد من المساهمات الاجتماعية و مراجعة الأنظمة الخصوصية( نظام التقاعد لأعضاء الحكومة- نظام التقاعد لأعضاء مجلس النواب -نظام التقاعد للولاة) التي وإن لا يبدو لها تأثير كبير، فإن مراجعتها تعبر عن الرغبة الصادقة في تحقيق المساواة بين كل المضمونين الاجتماعيين.
ان اغلب بلدان العالم ارست وأحدثت هياكل مشرفة على قيادة اصلاحات الضمان الاجتماعي لوضع السياسات والتصورات بعيدا عن المسؤولية المباشرة للصناديق الاجتماعية و الوزارة و السياسيين فتتولاها هياكل مستقلة بينما تكون مهمة الصناديق هي حسن التصرف في الموارد الموضوعة على ذمتها لإرساء الحوكمة الرشيدة والممارسات الناجحة و وجوب الفصل بين صلاحيات التوجيه الاستراتيجي والقيادة، وبين تلك المتعلقة بالتصرف والتسيير قصد التقييم المستمرّ لفعالية الآليات المستعملة للقيادة والتصرف من أجلِ تحيينها وتحسين نجاعتها و هو ما يمكن للمجموعة الوطنية الإستئناس به و الدفع في إتجاهه عند المصادقة على مشروع الإنقاذ نظرا للحاجة إلى إرساء إصلاح عادل ومتوازن يعتمدُ مقاربة استباقيّة للتصرف في المخاطر الهيكلية والمالية والمؤسساتيّة بعيدا عن الإرتجالية .
يغيب عن وعي الحكومة و القائمين على السلطة ببلادنا أن إصلاح المنظومة الإجتماعية إجراء غير شعبي في كل دول العالم و لكن التشاركية في إتخاذ القرار قد تدفع المواطن للمشاركة في النقاش العمومي وفي اتخاذ القرارات مع التحمل الجماعي للمسؤوليات المترتبة عن ذلك و أظن أن المثال الفرنسي محبذ دائما لدى طيف واسع من المجتمع السياسي ، فقد دعت الحكومة الفرنسية مواطنيها منذ شهر ماي الماضي الى إستشارة على الانترنت و عبر “ورش” على مدى ستة أشهر لنقاش اصلاح نظام التقاعد الذي يعد أحد أبرز مشاريع الرئيس ايمانويل ماكرون في اطار رغبته في “تغيير” فرنسا.
تونس اليوم في حاجة لحوار مجتمعي و إصلاح تشريعي و حكومي لإنقاذ واحدة من مكاسب الدولة الوطنية منظومة الرعاية الإجتماعية و تدعيمها لا الإنقلاب على أعقابها لأنها تتطلب تضحيات يجب تقاسمها بين الأجيال وبين فئات المجتمع ليخف عبؤها وكل تأخير في الإصلاح سيعمق العجز الهيكلي بما يستوجب تضحيات إضافية.

عصام الدين الراجحي

المراجع :
-تصريحات الوزير الشؤون الاجتماعية و مسؤولي الوزارة
-تصريحات مديري الصناديق الاجتماعية
-مركز الدراسات و البحوث الاجتماعية
-تصريحات مسؤولي الاتحاد العام التونسي للشغل
– تصريحات لأهل الاختصاص ( أساتذة بمعهد الشغل و الدراسات الاجتماعية ) حافظ العموري / ليلى بن سالم /خالد السديري / السيد بلال
-الصحف : الشروق -الصباح –الصحافة –المغرب

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *