السبت , 17 نوفمبر 2018
الرئيسية / الأخبار الوطنية / إلى متى ستتواصل الصراعات الإيديولوجية والهووية ؟

إلى متى ستتواصل الصراعات الإيديولوجية والهووية ؟

لقد كانت آمال التونسيين المعلّقة على انتصار ثورة الحرية والكرامة كبيرة جدّا، وكان الحلم في أن تكون تونس الديمقراطية مجالا لتعايش كل أطياف اللون السياسي، وكان الطموح أن تكون نموذجا لقبول الرأي والرأي المخالف وتطارح الأفكار دون تعصّب أو اقصاء. غير أنّ ما حصل حقيقة كان عكس ما كنّا ننتظره، ذلك أنّ التجاذب السياسي انطلق منذ البداية ليتخذ عناوين إيديولوجية، واحتدّ الصراع الهووي ليتخذ عنوانين دينية حينا وقومية ووطنية أحيانا أخرى. في المقابل تمادت نظرية المؤامرة لتعتبر الثورة التونسية مؤامرة صهيونية أمريكية لتفتيت الأمة العربية وتقسيمها وفق مقتضيات الاستعمار الجديد لدى البعض، أو مخططا قطريا تركيا لدى البعض الآخر تمهيدا لمشروع ما يسمّى بالإسلام السياسي لدى مجموعات أخرى.

إلاّ أنّ الثورة التونسية تبقى ثورة وطنية ذات عمق سياسي واجتماعي، وبرز عمقها السياسي في المطالبة بالحريات السياسية والمدنية الجماعية منها والفردية والدعوة إلى الديمقراطية كنظام يضمن الحدّ الأدنى من المشاركة المجتمعية في اتخاذ القرار والتداول على السلطة ووضع حدّ لنظام الاستبداد، وتضمّن عمقها الاجتماعي المطالبة التشغيل والتنمية العادلة والشاملة دون حيف أو تمييز اجتماعي أو جهوي والقطع مع منظومة الفساد. فالثورة التونسية عند انطلاقها كانت ثورة على كل شكل من أشكال التهميش والإقصاء والتفقير التي اتسم بها نظام حكم المخلوع، تحوّلت إلى صراعات إيديولوجية وهووية محورها مرجعيات دينية أو قويمة أو وطنية، وكان لهذه الصراعات تداعيات خطيرة جعلت الجزء الأكبر من التونسيين يفقدون البوصلة ويدخلون في متاهات لم نتمكن إلى حدّ الآن من الخروج منها.

غير أنّ انخراط جزء من الرأي العام التونسي في بداية الثورة في هذا الصراع الموهوم لم يدم طويلا، إذ سرعان ما تبيّن لعامة الناس أنّ مشاكلهم وطموحاتهم أبعد ما يكون على هذا الجدل العقيم حول الدين والهوية، وأيقن الأغلبية الساحقة من التونسيين أنّه لا معنى لصراع سياسي أو حزبي بين التونسيات والتونسيين يبنى على أساس الإيديولوجيات والعقائد والأديان. والثابت أنّ هذه الصراعات أصبحت هي التهديد الحقيقي للسلم الاجتماعية، وهي كذلك تمثّل المدخل الذي وجدته الجماعات المتشدّدة والمجموعات الإرهابية التي اتخذت من الدين عنوانا لتشدّدها لتحاول في عديد المرّات ضرب المسار الديمقراطي في تونس وتجهض التجربة الديمقراطية الوليدة. كما أنّ التعصّب الإيديولوجي لهذا الاتجاه أو ذاك أصبح مرفوضا لدى عامة التونسيين وآخر اهتماماتهم. فحين يتحوّل نقاش فكري بين الأحزاب أو الأفراد إلى صراعات محورها ما هو في الأصل مشترك ومقوّم من مقوّمات التعايش، وتتحوّل غاية الصراع إلى الرغبة في مزيد التفرقة بين أبناء الوطن الواحد عبر نشر الأكاذيب والأراجيف في محاولة بائسة لإقناع بصواب الرؤية والتوجّه، عندها بالذات نكون قد أخطأنا الهدف وسرنا في غير الطريق التي كان من المفروض سلكها.

إنّ المطروح علينا هنا والآن هو التخلّص من الصراعات الإيديولوجية والهووية والمتاجرة بالدين والاستثمار في دمّ الشهداء والاتجار بالإرهاب، والتركيز على السبل الكفيلة للخروج من الأزمة الخانقة التي تعاني منها بلادنا. ولن يكون ذلك ممكنا إلاّ إذا تحوّل التنافس بين الأحزاب إلى تنافس حول البرامج ومشاريع الإصلاح.
إنّ بلادنا اليوم هي ورشة مفتوحة لمشاريع إصلاح مرتقبة لإنقاذ تونس في المدى القريب والمنظور. إنّنا نحتاج اليوم ولا غدا إلى مشروع إصلاح اقتصادي يضع حدّا للأزمة الهيكلية التي تسبّب فيها منوال تنمية فقد كل مبرّرات تواصله، إنّنا نحتاج إلى مشروع إصلاح تربوي ينقذ المدرسة العمومية من حالة التدنّي والانهيار الذي أشرفت عليه، إنّنا نحتاج اليوم إلى إنقاذ حقيقي للثقافة الوطنية وللقيم الأخلاقية التي انهارت وتدحرجت إلى مستويات غير مسبوقة.

إنّ الأفق الإستراتيجي القويم الذي يفترض بنا الاجتماع حوله هو هذا الوطن ومصير أجيال ينتظرون منّا أن نكون قاطرة للإصلاح والتغيير الفعلي. وهذا الأفق لا يمكن أن يبلغ منتهاه إلاّ إذا كانت بوصلتنا ذات اتجاه مشترك، اتجاه ينحو إلى تكريسه وتعميق منجزات ملموسة وواقعية تعود بالنفع على البلاد والمجتمع. إنّ هذا الأفق يجعلنا جميعا أحزبا ومنظمات مجتمع مدني وأفرادا وجماعات أمام رهان أساسي يتعيّن علينا كسبه، وهو رهان برامج الإصلاح ووجاهتها ونجاعتها. وهذا الرهان لا يمكن أن يبلغ أهدافه، إلاّ إذا تخلينا عن الصراعات الإيديولوجية والهووية ووضعنا حدّا لبؤس بعض السياسيين، وتشبّثنا جميعا بنشر ثقافة سياسية جديدة ترتقي بنا إلى نقاشات هادئة ورصينة عناوينها مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والبيئية. وهذه المشاريع الحقيقية التي ستنهض بتونس وشعبها باعتبار أن هدفها الأسمى تحقيق الرفاه الاجتماعي المنشود والرخاء الاقتصادي المأمول وتشغيل الشباب المعطل وتحقيق الإنصاف والعدالة الاجتماعية والجهوية.

رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *