الأحد , 20 أكتوبر 2019
الرئيسية / الأخبار الوطنية / أطباء تونسيون هاجروا إلى ألمانيا، لماذا؟

أطباء تونسيون هاجروا إلى ألمانيا، لماذا؟

قابلت في ألمانيا عديد الأطباء المهاجرين من تونس، عبرت لهم عن استغرابي من ظاهرة هجرة الأدمغة في السنوات الأخيرة.

ظاهرة تفاقمت و شملت عديد القطاعات الحيوية في البلاد كالمهندسين و الباحثين و القضاة و الأطباء.

فالطبيب في تونس المفترض أنه يعيش في مستوى اجتماعي و إقتصادي محترم للغاية مقارنة ببقية القطاعات و لا يعيش الفقر و الخصاصة. كنت أعتقد أن أسباب الهجرة إقتصادية بالأساس إلى ان بين لي بعضهم أن أسباب هجرتهم أعمق بكثير مما تصورت.

الطبيب في تونس، و بعد سنوات طويلة من التعليم و التكوين و حلم صاحبه منذ الطفولة أن يصبح يوما ما ملاك الرحمة الذي يتحدى الأمراض لينقذ أرواح الناس، يصطدم بعد التخرج بواقع الصحة التونسية المظلم و سياسات تكبل يديه لتجعل منه ملاك الموت لا الرحمة، يقف عاجزا أمام حالات كان بامكانه انقاذهم ليكتفي بمرافقتهم في اخر أيامهم و تخفيف آلامهم ما استطاع. فطبيب دون تجهيزات، دون أدوية، دون قسم إنعاش معقم، بأقسام ترتع فيها لا فقط الجراثيم التعفنات بل أيضا الفأران والجرذان والصراصير، سقف يقطر ماء، و شبابيك زجاجها مكسر و سرير نخره الصديد، و فراش غير معقم، أدوية ضرورية لإجراء عمليات مفقودة و لا نجدها الا في السوق السوداء الخ، فكيف له ان يداوي المرضى؟

و طبعا كل هذه النقائص التي لا يتحمل مسؤوليتها الطبيب تتسبب في توتر العلاقة بين المريض و عائلته من جهة و الطاقم الطبي من جهة أخرى، بين الطاقم الطبي و الطاقم الشبه الطبي. فيجد الطبيب نفسه لا فقط في مواجهة الأمراض و الإصابات التي تفرضها عليه طبيعة مهنته بل أيضا في مواجهة مباشرة مع سياسات الدولة البالية و بيروقراطية الصناديق المقيتة و نقص الأجهزة و الأدوية، تكبل يديه و تجعله يغوص في صراع يومي و دائم مع ظروف عمله السيئة.

وهذا ما قد يفسر ضعف البحث الطبي و التكوين لمتابعة التطورات في المجال. هنا يجد الطبيب نفسه امام خيارين أحلاهما مر: أما التخلي عن حلمه، و الانخراط في منظومة رثة تقسو على الجميع. أو الهجرة إلى دول توفر له أسباب العمل و ظروف التألق لإنقاذ أرواح بشرية و متابعة التطورات و التدرب عليها.

ظاهرة هجرة الأدمغة تتحمل مسؤوليتها سياسات الدولة و كل الاحزاب التي تداولت على تسييرها، ظاهرة خطيرة تهدد السلم الاجتماعي و معالجتها تتطلب إصلاحات جذرية لمختلف القطاعات الحيوية، تراعى فيها مصالح الجميع و توفر ادنى أسباب الكرامة لمختلف الأطراف المتداخلة.

محمد سليم الصالحي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *