الأحد , 9 ديسمبر 2018
الرئيسية / الأخبار الوطنية / أزمة المدرسة العمومية: يتحمّل الأزمة المتسبّب فيها

أزمة المدرسة العمومية: يتحمّل الأزمة المتسبّب فيها

لا شكّ أنّ الأزمة الحالية التي تمرّ بها المدرسة العمومية هي وليدة سياسة مبطّنة انطلقت فيها الحكومات التونسية منذ ما قبل الثورة وتواصلت مع حكومات ما بعد 2011. وقد تاكّد هذا التوجّه لضرب المدرسة العمومية خاصة عل إثر صعود الائتلاف الحاكم المنبثق عن انتخابات 2014. ذلك أنّ السياسة الخرقاء التي اعتمدها ناجي الجلّول قد زادت في تعفين المناخ التربوي خاصة عبر إجراءاته غير المدروسة، من ذلك مثلا الانطلاق في إصلاح تربوي شارك فيه الاتحاد العام التونسي للشغل والمعهد العربي لحقوق الإنسان سرعان ما تراجع عنه بعد خلافه مع نقابة التعليم الثانوي، وإصداره لقرار شعبوي تعلّق بالانزلاق (ترقية المدرّسين عشوائيا)، ثمّ قراره اللاتربوي واللابيداغوجي بتمكين التلاميذ من الارتقاء الآلي على إثر إضراب المدرّسين في التعليم الابتدائي والذي كانت له انعكاسات خطيرة جدّا على مستوى المتعلّمين ماتزال المدرسة تعاني منه إلى الآن. وللتذكير أنّ خلال هذه المرحلة قامت صفحات الفيسبوك الموالية لجلّول ابتكار كلمة “التلاميذ رهائن” وسوّقت لها هذه الصفحات لشيطنة المدرّسين وتأليب الرأي العام عليهم. غير أنّ كل محاولاته باءت بالفشل، وانتهت الأزمة برحيله غير مأسوف عليه.

الكارثة الأكبر أنّ نفس هذا التوجه تواصل مع الوزير الحالي والحكومة التي ينتمي إليها، إذ انتهج هذا الوزير نفس سياسة سلفه في المماطلة والتسويف ثمّ التعنّت والمكابرة والامعان في محاولة ضرب المدرسة العمومية وتشويه المدرّسين. ذلك أنّ منذ أكثر من ثلاث سنوات والمفاوضات متواصلة حول مجموعة من المطالب للمدرّسين، عجز الوزير الحالي في حلّها أو حتّى إيجاد بوادر حلول لها. فقد عمد هذا الوزير إلى التملّص من كل الالتزامات السابقة، ورغم الإعلام الرسمي من نقابة التعليم الثانوي بالمقاطعة للامتحانات، فلم يبادر بفتح باب النقاش والحوار مع النقابة أو مع اتحاد الشغل، والغاية من ذلك أصبحت واضحة، إذ أنّه يدفع بشكل مباشر في اتجاه تنفيذ هذه المقاطعة للامتحانات، وهي محاولة بائسة ويائسة لمزيد تعكير الأجواء في المؤسسات التربوية وفي توتير الأجواء اجتماعيا ومزيد تأليب الرأي العام على المدرّسين، والهدف من ذلك مزيد إضعاف المدرسة العمومية التي تعاني من ضعف هيكلي يستوجب الإصلاح اليوم ولا غدا.

هذا وقد سبق أن نبّهنا في التيار الديمقراطي إلى خطورة التمشّي المرتجل وغير المدروس الذي اعتمدته وزارة التربية في تعاملها مع الواقع المدرسي الراهن وحمّلنها مسؤوليّة الخيارات والتوجّهات التي لا تستجيب لطموحات التونسيين في دعم التعليم العمومي وفي الخروج من الأوضاع المتردّية التي هي عليها.

إنّ هذه السياسة الممنهجة لتدمير المدرسة العمومية أصبحت واضحة ومكشوفة، وهي تتجاوز مسألة حجب الأعداد ومقاطعة الامتحانات، بل القضية الأساسية تتعلّق أوّلا ورئيسيا بالإصلاح التربوي، وسبق وأنّ أكدنا على ضرورة الإصلاح وفق التخطيط التربوي الاستراتيجي يتجنّب النتائج الكارثية لمشاريع الإصلاح السّابقة التي اتصفت بالارتجالية والتّسرّع والفوقيّة، ودعونا إلى إيلاء الإصلاح التربوي المرتقب ما يستحقّه من حوار مفتوح على كل الأطراف المعنية بالشأن التربوي دون إقصاء أو تمييز. ولن يكون هذا الإصلاح ممكنا وناجعا إلاّ إذا طرح بشكل معمّق للمحاور الكبرى للإصلاح التّربوي في مستوى التّوجّهات العامّة والمناهج (الغايات وطرائق تدريس والمضامين والمحتويات والتقييم…) والكتب المدرسيّة، وإعادة النظر للزّمن المدرسي والنّظام التّأديبي والنبية الأساسية التعليمية بالمؤسسات التربوية، إضافة إلى تحسين الوضع المهني والمادّي للمدرّسين… وهي الحلول الكفيلة بحلّ أزمة المدرسة العمومية التي كانت المصعد الاجتماعي للتونسيين ولاسيما الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة.

رضا الزغميالزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *