السبت , 20 أكتوبر 2018
الرئيسية / الإقتصاد / أزمة الحليب: سياسات خاطئة من الحكومة و سوء تصرّف

أزمة الحليب: سياسات خاطئة من الحكومة و سوء تصرّف

 

من خلال التدقيق في تفاصيل الأزمة الحالية للحليب و بالرجوع للمصدر نتأكّد أنّ من أهمّ الأسباب هو إنزلاق سعر الدينار، فالسياسة النقدية التعويمية للحكومة امتثالا لصندوق النقد الدولي ستؤدي بِنَا إلى الخراب الموعود، خراب الدولة و ضرب الأمن القومي الغذائي لهذا الشعب،
اليوم الحليب و غدًا و بعده مواد أخرى،
فانخفاض سعر الدينار أدىّ إلى إرتفاع أسعار العلف المركّز المستورد ممّا زاد في تكلفة مرعى الأبقار الحلوب و كلفة إنتاج الحليب، و أصبح سعر الحليب من المصدر، أي السعر الذي يبيع به الفلاح مربّي الأبقار إلى مراكز التجميع، غير كافي فعلاً و لا يغطّي كلفة الإنتاج رغم الزيادة الأخيرة ب124 مليم لثمن ليتر الحليب من المنتج (اصبح 890 مليم بعد أن كان 766 مليم)، و هي زيادة تتكفّل بها الدولة عبر صندوق الدعم و تدفع لمصانع الحليب حتى يحافظ سعر البيع للمستهلك على مستوى 1120 مليم للتر.
و المستحدث أنّ هاته الوضعية الهشة و سوء الحوكمة من طرف الحكومة و إنعدام الكفاءة للمشرفين على قطاع الفلاحة و التجارة، سمحت لعصابات التهريب أن تنشط و تزيد في تعميق الأزمة،
فالتهريب لم يعد يشمل فقط الحليب المُعلَّب بإتجاه الدول المجاورة، بل إنضافت إليها ظاهرة أخرى أكثر خطورة تهدّد في الصميم الأمن القومي الغذائي و هي تهريب الأبقار الحلوب إلى الجزائر.
فالشقيقة الجزائر تعاني نقص كبير في طاقة إنتاج الحليب بسبب ضعف ثروتها الوطنية من الأبقار و تستورد سنويا ما يقارب 70% من حاجياتها من الحليب و هو ما يكلّف ميزانها التجاري أكثر من 1,5 مليار دولار سنويا و بناء عليه قرّرت منذ سنوات تعزيز ودعم إنشاء مزارع لتربية الأبقار الحلوب و إنتاج الأعلاف.
و المفزع أنّ بعض المصادر تتحدّث عن تهريب قرابة 30% من الثروة الوطنية للأبقار الحلوب التونسية عبر الحدود للجزائر (الرقم ذكره نائب النقابة التونسية للفلاحين فوزي الزياني في جون أفريك بتاريخ 23 جويلية 2018) و أرجع ذلك لأنّ الفلاحين و خاصة منهم الصغار غير قادرين على مجابهة نسق إرتفاع ثمن العلف المركّز و مظطرّين لبيع جزء من أبقارهم لتغطية الخسائر و توفير قوت العيش لعائلاتهم.
أمر خطير جدًّا أن تبقى الحكومة تتابع ما يحدث دون تدخّل عاجل لوضع حدّ لهاته الأزمة و تقديم حلول جذرية لهذا القطاع و هي التي يفترض أنّ لها خطط إستباقية لمعالجة تبعات قرارها بخصوص سعر صرف الدينار،
و رغم كل هذا الوقت المهدور فإنّ الحلول و إمكانية التدارك تبقى ممكنة الآن عندما تتوفّر الإرادة الحقيقية و تكون البوصلة هي الحفاظ على أمننا الغذائي و تشجيع الإنتاج المحلي و في وضعية الحال الفلاح الذي يمثّل الحلقة الأضعف في هاته السلسلة،
و التوصّل إلى الحلول يمرّ :
– أوّلا عبر دعوة إتحاد الفلاحين و صناعيي القطاع إلى حوار حقيقي و مسؤول ، مع إيقاف فوري لعمليات التوريد للحليب بالعملة الصعبة لأنّ الحليب متوفّر بالحجم الكافي و زيادة و ما ينقصنا حسن التصرّف و الحوكمة الرشيدة، حوار يفضي إلى الإتفاق على أسعار تغطّي كلفة إنتاج الفلاح و لا ترهق كاهل المستهلك، تطلب الدولة من جهة أخرى إستثنائيا من كبار المصنّعين أن يخفّضوا حجم تحويل الحليب إلى مشتقات (ياغورت و أجبان) حتى يتمّ توفير حاجيات السوق من الحليب العادي (حاليا يتمّ تحويل 320 مليون لتر سنويا إلى ياغورت و أجبان و هذا يمثّل ثلث طاقة إنتاج الحليب !!!)،
– ثانيا عبر الضرب على أيدي المهرّبين و تسليط أقوى الغرامات المالية و مصادرة الأموال و الممتلكات التي بحوزتهم و أيضا الصرامة التامة في حراسة الحدود الشرقية و الغربية،
– ثالثا عبر السلك الديبلوماسي و الحديث بصراحة مع الشقيقة الجزائر للتصدّي لتهريب ثروتنا الوطنية من الأبقار ،
– رابعا عبر تشجيع المستثمرين الشبان و الفلاحين على الإستثمار في إنتاج العلف محليّا،
– خامسا عبر وضع السياسات النقدية اللازمة للتحكمّ في سعر الصرف لوقف هذا النزيف الذي ينخر كل القطاعات المنتجة التي تعتمد في مدخلاتها على التوريد.
________________
بعض إحصائيات قطاع الحليب لسنة 2017 (المصدر وزارة الفلاحة):
– عدد الأبقار الحلوب : 437 ألف (458 الف في 2016)
-عدد مراكز التجميع : 240
-عدد مصانع الحليب: 45
– إجمالي الحليب المجمّع من الفلاحين : 892 مليون لتر
– إجمالي الحليب المصنّع : 995 مليون لتر (حليب مُعلَّب : 619 مليون لتر، حليب محوّل ياغورت : 168 مليون لتر، حليب محوّل أجبان : 145 مليون لتر).
– إستهلاك التونسي من الحليب و مشتقاته سنويا : 110 لتر

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *