الإثنين , 10 أغسطس 2020
الرئيسية / الأخبار الوطنية / آياصوفيا بين المشاع والإشاعة

آياصوفيا بين المشاع والإشاعة

آياصوفيا بين المشاع والإشاعة

عبدالودود العمراني*

تفيد عدة عناوين إخبارية هذه الأيام أن كنيسة آياصوفيا تحولت إلى مسجد بينما الواقع التاريخي يقول إن متحفا تم تحويله إلى مسجد. قفزة غريبة على مرحلة تاريخية بعينها للتوقف عند أخرى على نحو اعتباطي أو خدمة لأجندة بعينها.وسنحاول في هذه الفقرات المختصرة تقديم بعض العناصر الموثقة للتفكير والتفكر لكي يتخذ كل على شاكلته موقفا مبنيًّا على بيانات علمية…

قرار استبدادي (أوتوقراطي) وقرار ديمقراطي

حوّل أتاتورك المسجد إلى متحف دون أن يستشير أحدا، بل هو فرض خياره على الشعب التركي وعلى المسلمين عموما تبعا لقرار وزاري دون الاعتماد على حكم محكمة. وقد حصل ذلك ضمن حركة شاملة لعلمنة المجتمع التركي سنة 1934، وبعد ذلك بسنة حول أتاتورك المسجد إلى متحف عام 1935.وقد جاء في الدعوى التي رفعتها هيئة تدافع عن الأوقات التركية أن آياصوفيا من أملاك السلطان العثماني الملقب بمحمد الفاتح، الذي سيطر على المدينة عام 1453، عندما كانت تسمى القسطنطينية، وهو الذي حول الكنيسة التي كان عمرها 900 عام بالفعل إلى مسجد.أما مجلس الدولة وهو أعلى محكمة إدارية في تركيا فقد أصدر قرارًا يشير إلى أن ما فعله أتاتورك غير قانوني.وفي أطوار القضية، استمعت المحكمة يوم 2 جويلية الجاري إلى الأطراف المعنية، تبعا للقضية التي رفعتها جمعية معنية بحماية الأوقاف التاريخية، لإلغاء قرار مجلس الوزراء الصادر عام 1934 الخاص بتحويل مسجد آياصوفيا إلى متحف.وعقب الانتهاء من النظر في القضية، قررت الغرفة العاشرة في المحكمة الإدارية العليا، إلغاء قرار مجلس الوزراء الصادر عام 1934.وأشارت المحكمة الإدارية العليا في قرارها إلى امتلاك “وقف السلطان محمد الفاتح” لـ”آياصوفيا” وتقديمه كجامع في خدمة الشعب.وأوضحت أن الحقوق والممتلكات غير المنقولة التابعة للوقف الخاضعة للحماية منذ زمن طويل لا تشكل عائقا أمام استخدامها من قِبل المجتمع الذي قُدمت له. وأضافت أنه تم التوصل إلى نتيجة بأنه لا يمكن من الناحية القانونية استخدام “آياصوفيا” بغير صفة مسجد الواردة في وثيقة الوقف أو تخصيصها لأغراض أخرى.وأكدت المحكمة الإدارية أنها درست القضية من حيث التشريعات ذات الصلة، والمحكمة الدستورية، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

سند الملكية الخاصة التي أصبحت وقفا مشاعا

وتكشف المراجع التاريخية التركية أن السلطان محمد الفاتح اشترى مبنى كنيسة آياصوفيا من القساوسة بماله الخاص لا بأموال الدولة، ثم سجله بصك ملكية خاص باسمه.وقد تم تسجيل عملية البيع بواسطة عقد بيع وتنازل عن الملكية، وتسديد المبلغ بوصول دفع واستلام.بعد ذلك أوقف الملكية باسم أبوالفتح السلطان محمد كما يشهد على ذلك سند الملكية الأصلي (طابو بالتركية) يثبت الملكية الخاصة للعقار. (الصورة)

لذلك كتم الغرب غيظه إذ لا غبار على الإخراج القانوني الديمقراطي والسيادي للقرار التركي.

ماذا يقول التاريخ وعلم الآثار؟

من الناحية التاريخية وبالعودة لعلم الآثار تشير غالبية الكتابات إلى أن جل العناصر المعمارية التي أعطت للكاتدرائية شكلها الحالي تعود للقرن السادس الميلادي وأن البناء أنجز بأمر من الإمبراطور جوستينيان الأول ما بين 532 و 537م من قبل المهندسَين أنطميوس الترالي وإزيدورس الميلاتي. لكن ما لا يذكر كثيرًا أنها حلت محل كنيسة سابقة لها تاريخيا بنيت عام 325 تحت حكم قسطنطين الأول، وأنها بدورها شيدت مكان معبد وثني كان في الموقع هُدم بالكامل.ومعلوم أن عددًا كبيرًا من الكنائس المسيحية حلت محل المعابد الوثنية السابقة لها زمنيا.وبناء على الشواهد التاريخية يتضح هذا التسلسل التاريخي في استخدام الموقع: معبد وثني > كنيسة > كاتدرائية > مسجد جامع > متحف > مسجد جامع.يرى المسيحيون في المبنى كاثدرائية تاريخية، وهذا معقول، لكن ينبغي أن يدرك الرأي العام الدولي أن المسلمين بدورهم يرون فيه مسجدا جامعا تاريخيا، ولا أحد يرى فيه معبدا وثنيا أي شاهدا على حضارة قديمة كما هي حال العديد من الآثار في العالم. من هنا ندرك أن السعي في الواقع هو للتملك الثقافي التاريخي والديني وليس للقيمة المعمارية للمبنى. فهل يحق للأتراك وغالبيتهم مسلمون أن يتملكوا مبنى تاريخيا على أرض وطنهم استخدموه لأكثر من 500 سنة استخدامًا ينسجم مع تراثهم الديني وعقيدتهم؟وإذا حاجج المسيحيون أن استخدامهم سبق استخدام المسلمين فقد يرد الأتراك أن استخدام الوثنيين سبقهم بدوره، لنظل ندور في حلقة مفرغة عبثية.

آياصوفيا والتراث الثقافي العالمي لليونسكو

تزور آياصوفيا سنويا أعداد هائلة من السياح لقيمتها الدينية للمسيحيين والمسلمين على السواء ولقيمتها الجمالية معماريا للمولعين بالعمارة وتاريخ الفن.وفي سنة 1985 أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو “المناطق التاريخية في إسطنبول” في القائمة التمثيلية للتراث الإنساني العالمي. وتشمل هذه المناطق ساحة سباق الخيول في العهد البيزنطي التي تعرف الآن باسم ميدان السلطان أحمد، ومتحف آيا صوفيا، ومسجد سليمان القانوني.وما إن أعلن الرئيس التركي عن عودة آياصوفيا لوظيفتها كمسجد جامع حتى أعلنت اليونسكو عن أسفها لهذا القرار، وجاء في تصريحها أنها “تدعو السلطات التركية لفتح حوار دون تأخير لتجنب العودة للوراء فيما يتعلق بالقيمة العالمية لذلك الإرث الاستثنائي والذي سيخضع الحفاظ عليه لمراجعة من لجنة التراث العالمي في جلستها المقبلة”.وجاء في تصريح أودري أزولاي المديرة العامة لليونسكو أن “آيا صوفيا هي تحفة معمارية وشاهد فريد على التفاعل ما بين أوروبا وآسيا على مر القرون، ويعكس وضعها كمتحف الطبيعة العالمية لتراثها، ويجعلها رمزا هاما للحوار”. ومن المعلوم أن أزولاي يهودية من أصل مغربي لم نسمع لها صوتا فيما يتعلق بالحفريات الأثرية التي يقوم بها المتطرفون الصهاينة في القدس تحت المسجد الأقصى بحثًا عن هيكل سليمان المزعوم، في تعدٍّ صارخ على حرمة المسجد مما من شأنه أن يهدد بانهياره على قواعده.وإذا علمنا أن هناك العشرات من المساجد مدرجة على القائمة التمثيلية للتراث الإنساني فلا يبدو أن وظيفة آياصوفيا من شؤون اليونسكو ما دامت السلطات التركية قد التزمت بأن يبقى المعلم التاريخي مفتوحًا لكل الزائرين دون تمييز بين معتقداتهم…بل إذا عدنا للنصوص القانونية المنظمة لقائمة التراث الإنساني نجد شرطا ينص على “مشاركة المجتمعات المحلية وغيرها من الأطراف المعنية بالممتلكات الثقافية، مشاركة فعلية ومنصفة وشاملة للجميع، هي شرط أساسي للحفاظ على هذه الممتلكات، ولإبراز فرادتها وقيمتها”.وبناء على النص نفسه، هل من مشاركة أفضل للمجتمع التركي المحلي من الصلاة في المسجد خمس مرات في اليوم مع اجتماع حاشد لصلاة الجمعة؟ أما غير المسلمين فالمسجد مفتوح لهم للزيارة كما أسلفنا وكما التزم بذلك الرئيس التركي.

حرب الرموز

تتدعي العديد من الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا أنها دول علمانية تفصل بين الدين والدولة، لكن الطريف أن ممارساتها تشي بموقف مختلف. عندما احتلت فرنسا تونس عام 1881 كان أول شيء فعلته سلطات الاحتلال هو التوجه إلى قرطاج، وفي أعلى قمة فيها أي فوق جبل بيرصا شيد الفرنسيون كاتدرائية ضخمة في العام نفسه أطلقوا عليها كاتدرائية القديس لويس. حركة غريبة من دولة علمانية! والحقيقة أن القس المسيحي كان يرافق العسكر الفرنسي المحتل ولديه خطة التبشير جاهزة إذ أسس الآباء البيض ديرا مسيحيا بجانب الكاتدرائية. فالقديس لويس هو راهب مبشر قدم لتونس في العصر الوسيط وقُتل هناك حسب الرواية المسيحية، أو هو اعتنق الإسلام حسب الرواية التونسية. وما أن نالت تونس استقلالها عام 1956 حتى بادر الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بتحويل الكاتدرائية إلى متحف قرطاج. أما جامع قرطاج، فقد اختار مهندسوه موقعا مقابلا للكاتدرائية وحرصوا بوجه خاص على أن يتخطى ارتفاع المأذنة فيه ارتفاع الكاتدرائية ضمن تبادل للرموز يدوم منذ قرون. وهو ما يمكن أن تندرج ضمنه اليوم إعادة آياصوفيا إلى وظيفتها الإسلامية كمسجد جامع…

*عبدالودود العمراني متخصص في تاريخ الفن، نقل إلى العربية موسوعة “الفن الإسلامي والعمارة 650-1250″، و”روائع تحف الفن الإسلامي في متحف المتروبوليتان بنيويورك” مع بشير بوعائشة، و”دليل متحف المتروبوليتان” مع شكري المبخوت، وله عشرات المراجع الأخرى في الآداب والفنون والثقافة.

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *